التاريخ اللبناني المعاصر حافل بالتجارب الأليمة والمواجهات المستمرة للأزمات الداخلية والاعتداءات الإسرائيلية وبعد كل تجربة يخرج لبنان أقوى مما كان قبلا وأكثر تماسكا وإيمانا بحتمية الحفاظ على أمنه الوطني ومناخ العيش المشترك بين كل فئاته وفي نفس الوقت يخرج أكثر صمودا وإصرارا على المقاومة عقب كل عدوان إسرائيلي .
ذلك لأن الجسد اللبناني الموحد أمام الخطر الخارجي سرعان ما يستنفر مناعته الذاتية في مواجهة ذلك الخطر مع الأعراض الأولى له ، فاللبنانيون اكتسبوا خبرة في استطلاع الأجواء واستشعار الخطر قبل حلوله .
لكن المؤامرة الجديدة التي تتربص بلبنان تبدو محكمة وأوسع نطاقا هذه المرة حيث يريد أعداؤه إرباك جبهته الداخلية بإحياء الفتن الطائفية وفي نفس الوقت أو من حوله تهجم إسرائيل على الجنوب لتزيد الإرباك وتصل إلى أغراضها ويتضح ذلك من توالي التهديدات :
مرة على لسان نتينياهو ومرة أخرى (أمس) على لسان باراك أحدهما هدد بضرب المدارس والمساجد والمستشفيات في جنوب لبنان والثاني هدد بضرب المؤسسات الحكومية ثم يضاف الحديث عن قرب إعلان الاتهام في قضية اغتيال رفيق الحريري والمتوقع أن يصب الزيت على نار الفتنة التي يوقدها أعداء لبنان بين القوى اللبنانية المختلفة كي يجنوا نصرا بلا ثمن .
لكن يتضح من تصريحات المسؤولين اللبنانيين ومن توصيات المؤتمر التأسيسي لتيار المستقبل في ختام أعماله أمس الأول أن المقاومة لتحرير الأرض هي أهم ثوابت جميع أركان الطيف السياسي اللبناني وإن اختلفت بعض الرؤى حول وسائل التطبيق ما بين المقاومة الدبلوماسية والاستعداد للمواجهة العسكرية للدفاع عن سيادة لبنان وكرامة شعبه ورغم أن اللبنانيين يعرفون طريقهم لتسوية مشكلاتهم الداخلية إلا أنه ينبغي الحذر من التربصات الخارجية وعدم السماح بإحداث ثغرات ينفذ منها العدو للانقضاض على لبنان.
والأمل معقود على التحركات العربية ما بين دمشق وبيروت وخاصة خلال الزيارة المرتقبة لكل من العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر واحتمالات عقد قمة رباعية تضمهما مع الرئيسين السوري بشار الأسد واللبناني ميشيل سليمان .
فكل القادة العرب حريصون على أمن وسلامة لبنان الذى يتوسد مكانة مميزة في نفس كل عربي مع وضعه الحساس إلى جوار كيان اعتاد على العدوان على الغير وهو اسرائيل كما أن الالتزام العربي بحماية تلك الدولة الشقيقة ينبغي أن يكون واضحا ولا لبس فيه أمام ستر دعم العواصم الغربية المستمر للاعتداءات والتهديدات الاسرائيلية لوجيستيا وإعلاميا وسياسيا بينما تعطي تلك العواصم للعرب من طرف اللسان حلاوة قبل العدوان وحفنة من الادانات والشجب والاستنكار بعد العدوان .
لقد آن الأوان لتشكيل موقف عربي أكثر صرامة تجاه التجاوزات الإسرائيلية التي تحدث خاصة قبل أو أثناء أو بعد زيارة كل مسؤول إسرائيلي للولايات المتحدة وكأنه يبعث بذلك رسالة إحباط للذين يعتقدون أن واشنطن بمقدورها فعل شئ للجم النزق الإسرائيلي المتواصل بحق الدول العربية والشعوب العربية والمصالح العربية على نحو يجعل مستقبل هذا الوطن العربي الكبير على المحك بسبب اسرائيل .
الوطن




















