عبدالله اسكندر
من النتائج المباشرة لتوجه الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة الى عدم تمديد الهدنة احتمال تصعيد ومواجهة كبيرة مع اسرائيل. ورغم ما تقدمه هذه الفصائل من مبررات سياسية وملاحظات على السلوك الاسرائيلي ازاء معاناة اهالي القطاع واستمرار حصاره، لن يحمل تصعيد المواجهة الا المزيد من زيادة هذه المعاناة، خصوصا اذا لجأت الحكومة الاسرائيلية الى تنفيذ تهديداتها بعملية واسعة. خصوصا ان افق هذه المواجهة يبقى محكوما بالظروف نفسها التي افشلت التهدئة، ومعها الوساطة المصرية. إضافة الى ان الوضع الداخلي الاسرائيلي المحكوم بالحملة الانتخابية لن يكون قادرا على الاستجابة للضرورات المختلفة المطلوبة للتهدئة.
وفي ظل غياب القدرة على تحقيق اهداف انهاء التهدئة، يبدو التصعيد بمثابة سد فراغ الوقت الضائع من الآن وحتى الانتخابات الاسرائيلية، التي لن تؤدي بالضرورة الى حكومة مستعدة للتفاوض على الأسس التي تطالب بها الفصائل. واستنادا الى تصريحات قياديين كثر في «حماس» التي تدير عمليا التوجهات الصادرة من القطاع، لا يبدو أي أمل في إمكان إحداث تغيير في الموقف الاسرائيلي عبر التفاوض، في الوقت الذي ينعدم مثل هذا الأمل عبر العمل العسكري.
هذا لا يعني ان هذه السياسة عبثية وعشوائية ومغامرة غير محسوبة. انها مقصودة ومدروسة، لكن العنوان الذي تبعث برسائلها اليه ليس بالضرورة في القطاع او اسرائيل. واذا كانت «حماس» لم تحدد بوضوح هذا العنوان لاعتبارات تكتيكية وآنية، فإنه يستدل من الحملة الواسعة لحلفائها حيثما كانوا، في مصر والاردن ولبنان وايران، ان رفع الحصار الاسرائيلي عن القطاع، وانهاء معاناة اهله، مسؤولية عربية، ومصرية تحديدا. بدليل اختصار الحصار بمعبر رفح الذي يعرف الجميع وضعه القانوني الدولي، وتجاهل المعابر الاخرى التي تسيطر عليها اسرائيل.
وهذا التبسيط في قضية معبر رفح يهدف الى تركيز الانظار على مصر، قبل اي شيء آخر. وايضا الى تغييب كل العوامل التي ادت الى الحصار الاسرائيلي، بما فيها سياسة «حماس» وممارساتها في القطاع حتى سيطرتها العسكرية عليه، والتصعيد الذي اعتمدته بعد هذه السيطرة.
اي ان الحملة التي تريد تغييب صورة «حماس» عن الحصار، تسعى في الوقت نفسه الى ضرب اي صدقية عربية في التعامل مع الموضوع الفلسطيني. وهذا ما يفسر إفشال الوساطة المصرية والاعتراض على القرارات الاخيرة للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب.
فـ «حماس» وحلفاؤها يعرفون ان شرعية السلطة الفلسطينية مستمدة من الاعتراف العربي بكون منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بمن فيه اهالي القطاع. وجاءت الخصومة مع «فتح» لتفتح الباب امام اعادة النظر في هذه الشرعية، وهي خطوة تفترض نزع الصدقية عن الاعتراف العربي بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
وذلك لا يهدف فقط الى تعقيد الاوضاع، بعد انتهاء الولاية الرئاسية الحالية لمحمود عباس وايجاد مبررات شبه قانونية لتبرير وضع اليد على الرئاسة، بطريقة ما قد تكون عبر رئاسة المجلس التشريعي، وانما ايضا الى نسف جهود العرب في دفع مبادرتهم السلمية الى امام، خصوصا بعدما بدأت هذه الجهود تجد اصداء ايجابية في العالم، خصوصا في اوروبا، تتوجت بالقرار الاخير لمجلس الامن في شأن حل الدولتين والمفاوضات.
ولذلك ترافقت الحملة على المسؤولية العربية عن الحصار مع حملة موازية من الاطراف انفسهم على مبادرة السلام العربية، وفي اطار من الخلط المفتعل لحوار الاديان الذي رعته الامم المتحدة في نيويورك والتطبيع مع اسرائيل، حتى وازى بعضهم بين المبادرة والتطبيع المجاني، الى حد ان تظاهرات في طهران مثلا، امام سفارتي مصر والسعودية، للتنديد بالتطبيع مع اسرائيل وبـ «الخونة» العرب لقضية فلسطين، رفعت صور تسيبي ليفني مع أمير قطر. علما ان القائمين على هذا النوع من التظاهر، ومن يؤيدهم في المنطقة العربية، يعرفون في دقة انهم يخلطون قضايا متنافرة ويقدمون على الكبائر عمدا. لكن ما يهم هو اصابة العرب وصدقيتهم في التعامل مع الموضوع الفلسطيني.




















