تتابع إسرائيل عن كثب وبإهتمام شديد حالة التوتر التي يمر بها لبنان، محاولة بشتى الوسائل استغلال ما يجري وتوظيفه في خدمة الحرب النفسية التي تشنها منذ انتهاء حرب 2006 ضد "حزب الله" وسلاحه، وضد لبنان أيضاً. وبدا هذا واضحاً في التهديدات الأخيرة التي أطلقها وزير الدفاع إيهود باراك قبل أيام ضد المؤسسات الحكومية في لبنان في حال تعرضت إسرائيل لهجوم من جانب الحزب.
وكانت آخر فصول هذه الحرب النفسية الحملة الديبلوماسية التي تقوم بها الخارجية الإسرائيلية ضد أسطول المساعدات الإنسانية الذي يقال إنه سينطلق من لبنان الى غزة. فخلال الأسبوع المنصرم تحركت كل السفارات الإسرائيلية في العالم من أجل تأليب الرأي العام الدولي ضد سفن المساعدات، وطالبت حكومات دول العالم لا سيما دول الإتحاد الأوروبي بالضغط على الحكومة اللبنانية لمنع ابحار هذه السفن، معتبرة الموافقة اللبنانية على مثل هذه الخطوة عملاً عدائياً لن تقف إسرائيل في مواجهته مكتوفة اليدين. وكانت سفيرة إسرائيل في الأمم المتحدة قد وجهت رسالة الى كل من الأمين العام بان كي مون والى مجلس الأمن بهذا الشأن، قالت فيها إن هدف منظمي سفن المساعدات ليس إنسانياً وإنما هو زعزعة الإستقرار الهش في المنطقة.
لكن على الرغم من المحاولة الإسرائيلية للإستفادة من الأزمة التي يمر بها "حزب الله" في لبنان على خلفية احتمال أن يتضمن القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدولية المكلفة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري اتهامات تطاول عناصر في الحزب، فإن التطور السريع للأحداث والاعلان عن زيارة الرئيس السوري بشار الأسد والعاهل السعودي الى لبنان، أثارا أكثر من علامة سؤال داخل إسرائيل حول الانعكاسات المتوقعة لذلك ليس على الوضع الداخلي اللبناني، إنما بصورة خاصة على صورة التحالفات العربية في المنطقة وعلى مستقبل التسوية السياسية مع إسرائيل.
في هذا الإطار، رأى عدد من المعلقين الإسرائيليين في الجولة التي يقوم بها العاهل السعودي لكل من لبنان وسوريا مؤشراً على عودة الدور السعودي في المنطقة لا بد أن تؤدي إلى احياء مبادرة السلام العربية التي طرحتها السعودية في القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2002 وحازت على موافقة كل الدول العربية المشاركة فيها، والتي تجاهلتها إسرائيل تماماً، لأنها تمسكت بحق العودة للاجئين الفلسطينيين الأمر الذي ترفضه إسرائيل بشدة. كما رأى هؤلاء المعلقون في الزيارة السعودية لسوريا مؤشراً آخر على المحاولة السعودية لإبعاد سوريا عن إيران وتقديم الدعم لها، ولم يستبعد هؤلاء أن تؤدي هذه التطورات الى طرح عودة المفاوضات السياسية غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل.
ويبدو واضحاً منذ فترة أن الصحافة الإسرائيلية بغض النظر عن توجهاتها السياسية باتت شبه مجمعة على تأييد عودة المفاوضات السياسية مع سوريا، في الوقت الذي ما زال الانقسام قائماً داخل المؤسستين السياسية والعسكرية بين مؤيد للمفاوضات ومعارض لها. وكانت صحيفة "هآرتس" المعروفة بتوجهاتها اليسارية قد هاجمت الأسبوع الماضي في افتتاحيتها مصادقة الكنيست الإسرائيلية على قانون يفرض على الحكومة اجراء استفتاء شعبي على أي قرار بالانسحاب من الجولان، بالاضافة الى ضرورة حصول القرار على تأييد غالبية 61 عضواً، واعتبرت أن هذا القانون سيشكل "عقبة في طريق بدء المفاوضات"، واصفة فوائد السلام مع سوريا بأنها "أغلى من الذهب".
كما دعت صحيفة "يديعوت أحرونوت" وهي المعروفة بميولها اليمينية الحكومة الإسرائيلية أمس الى التجاوب مع التحرك السعودي الأخير، واعادة البحث في مبادرة السلام العربية التي تضمنت برأي الصحيفة "معادلات لحل كل المشكلات الملحة". ورأت أن هذا الأمر سيمهد الطريق تلقائياً "لإتفاق سلام مع سوريا، وتقسيم القدس، وايجاد حل بموافقة كل الأطراف لموضوع حق العودة".
حتى الآن لم تبادر حكومة نتنياهو الى القيام بأي خطوة في اتجاه عودة المفاوضات مع سوريا، ولكن ثمة أكثر من مؤشر يدل على ان مثل هذه الفكرة لم تعد مستبعدة تماماً عن جدول أعمال هذه الحكومة.
"النهار"




















