أعلنت إسرائيل في حزيران الماضي عن اكتشاف حقل ضخم جديد للغاز الطبيعي مقابل شواطىء حيفا، مما يفتح المجال واسعاً أمام أن تتحول إسرائيل في منتصف هذا العقد دولة مصدرة للغاز، ناهيك بالإنعكاسات الكبيرة لمثل هذا الإكتشاف على الإقتصاد الإسرائيلي عامة وعلى قطاع الطاقة بصورة خاصة، الأمر الذي من شأنه ان يغير وضعها الإستراتيجي في المنطقة.
ونظراً الى أن الحقل الجديد المكتشف يقع في عمق البحر شمال إسرائيل وبالقرب من المياه البحرية اللبنانية، فقد أثار إكتشاف الحقل الجديد جدلاً بين إسرائيل ولبنان حول حقوق استغلاله، نظراً الى عدم وجود ترسيم واضح للحدود البحرية بين البلدين، مما يعني إضافة ملف جديد إلى ملفات المشكلات العالقة بين لبنان وإسرائيل.
شكل تأمين مصادر انتاج الطاقة موضوع قلق دائم لإسرائيل، فهي تجد نفسها في وضع تبعية كاملة لإستيراد النفط من الخارج، الى كون أكبر الثروات النفطية في المنطقة تملكها الدول العربية التي هي في حال عداء معها. وطوال العقود الماضية عكفت إسرائيل على البحث عن مصادر بديلة للطاقة غير النفط للتخفيف من هذه التبعية. من هنا تشكل الإكتشافات الأخيرة لحقول الغاز الطبيعي في إسرائيل نقطة تحول حقيقية بالنسبة اليها.
تحول الغاز الطبيعي مصدراً أساسياً لتوليد الكهرباء
شهدت إسرائيل في الأعوام الأخيرة انتقالاً تدريجياً نحو استخدام الغاز، الذي بدأ يتحول شيئاً فشيئاً مصدراً أساسياً لتوليد الكهرباء.
وقد جاء في دراسة حديثة• منشورة باللغة العبرية على الموقع الإلكتروني لمعهد دراسات الأمن القومي، أن استهلاك الغاز الطبيعي في إسرائيل بلغ في 2009 نحو 4,2 مليارات متر مكعب، مقابل 2,7 ملياري متر مكعب في 2007، و1,6 مليار في 2005. وشكل الغاز الطبيعي المصدر الأساسي لتوليد 40 في المئة من الكهرباء في عام 2009.
وتوقع مدير عام شركة "إيكو انرجي" الدكتور عميت مور، أن يصل استخدام الغاز في توليد الكهرباء إلى 60 في المئة، وأن يحل استخدام الغاز في 2010 محل استهلاك نحو 4,5 ملايين طن من المشتقات النفطية، وسيشكل عدد وحدات توليد الكهرباء التي تستخدمها شركة الكهرباء في إسرائيل العاملة على الغاز نحو 55 في المئة من مجمل القدرات الإنتاجية للشركة.
وتتوقع الدراسة مستقبلاً أن يتصاعد استهلاك الغاز في إسرائيل بصورة مطردة، بحيث سيبلغ في 2011 نحو 6,4 مليارات متر مكعب (سيذهب 78 في المئة من هذه الكمية الى قطاع الكهرباء، وما تبقى سيذهب الى قطاع الصناعة)، أما في 2015، فسيبلغ استهلاك الغاز 9 مليارات متر مكعب، وسيصل في 2025 الى أكثر من 11 مليار متر مكعب (ثلثا الكمية سيذهب لإنتاج الكهرباء، والثلث الباقي إلى الصناعة). كما سيجري توسيع استخدام الغاز بالإضافة الى قطاع الكهرباء والصناعات الثقيلة، إلى سيارات تعمل على الغاز. ومن المنتظر أن يتحول الغاز مصدراً للطاقة الرخيصة، وأن يستخدم في تحلية مياه البحر.
ويوجد في إسرائيل حالياً شبكة أنابيب تستخدم لنقل الغاز الى المستهلكين وتمتد على مسافة 400 كيلومتر تربط حقول الغاز في عسقلان بالمستهلكين للغاز مثل شركات توليد الكهرباء، وعدد من المصانع مثل شركة "كميكل إسرائيل"، ومصانع البحر الميت، وشركة الإسمنت "نشير"، والمصافي في أشدود، وشركة مصانع الورق في الخضيرة.
كميات الغاز الطبيعي المكتشفة
ساهمت حقول الغاز الطبيعي التي اكتُشفت خلال الأعوام 1999-2001 في اسرائيل، في تلبية نحو 67 في المئة من حاجة شركة الكهرباء للغاز في عام 2009. وقد جرى حتى الآن استخراج نحو 15 مليار متر مكعب، وتقدر الكميات التي ما زالت متوافرة في هذه الحقول بنحو 20 مليار متر مكعب.
وتبلغ كميات الغاز المكتشف في حقلي "تامر" و"داليت" عام 2009 نحو 184 مليار متر مكعب، في الوقت الذي قدرت الكميات المؤكدة الموجودة في هذه الحقول بنحو 247 مليار متر مكعب. وتقدر كلفة تطوير هذه الحقول بنحو 2,8 ملياري دولار.
إن المؤشرات الجديدة التي كشفت عنها شركة "نوبل إنيرجي" في شهر حزيران الماضي عن وجود حقول جديدة للغاز قد تحوّل دولة إسرائيل إلى دولة مصدرة للغاز. وسيصل الحجم الاجمالي لكميات الغاز المكتشفة في الحقل الجديد المعروف بإسم "لفيتان" والذي يقع ضمن الأراضي الإسرائيلية ويمتد حتى قبرص إلى 850 مليار متر مكعب.
الفوائد الاقتصادية لإكتشافات الغاز الطبيعي
من أهم الفوائد الاقتصادية لاستخدام الغاز الطبيعي انه يشكل المادة الأرخص لإنتاج الطاقة، إذ يتساوى في سعره مع سعر الفحم. ناهيك بقرب حقول الغاز من المستهلكين. وبلغت قيمة المبالغ التي وفرتها إسرائيل خلال الأعوام 2004-2009 جراء استخدام الغاز الطبيعي بنحو 23 مليار شيكل. كما استطاعت شركة كهرباء إسرائيل نتيجة لإستخدامها الغاز في توليد الكهرباء أن تخفض كلفة الكهرباء بدءاً من شباط 2010 بنحو 9,3 في المئة للإستهلاك المنزلي ، و16,3 في المئة للإستهلاك الصناعي.
والفائدة الأساسية الثانية هي توفير المداخيل بالعملة الأجنبية عندما ستتحول إسرائيل إلى تصدير الغاز، بالإضافة الى تقليص تبعية إسرائيل لمصادر الطاقة المستودرة. كما شجع تحول الإقتصاد الإسرائيلي الى استهلاك الغاز على زيادة النشاط في التنقيب عن النفط والغاز. بحيث بلغ مجموع الأموال المستثمرة في هذا المجال نحو 1,3 مليار دولار، ومن المتوقع أن يصعد هذا الرقم خلال السنوات الخمس المقبلة الى 3,7 مليارات دولار.
الفوائد الاستراتيجية
ثمة مصلحة استراتيجية لإسرائيل في تقليص تبعيتها لاستيراد المواد المهمة مثل الماء والغذاء والمواد الأولية لا سيما الطاقة، نظراً الى وجود إسرائيل في الشرق الأوسط وسط دول عربية تملك الجزء الأكبر من مصادر الطاقة. وشكل سلاح النفط العربي خطراً حقيقياً على إسرائيل، كما شكلت الثروة النفطية عاملاً مهماً في رسم السياسات الخارجية للدول المستوردة للنفط تجاه الدول المصدرة له.
ولطالما تخوفت إسرائيل من مواجهة النقص في مصادر الطاقة بسبب الحظر العربي لتصدير النفط، مثلما جرى في أعقاب حرب 1973، أو بسبب حدوث عدم استقرار في دول الخليج المصدرة للنفط. من هنا توجهها نحو تطوير مصادر بديلة للطاقة غير النفط لتخفيف ضغط الدول المصدرة له.
من هنا أهمية الاكتشافات الأخيرة لحقول النفط الطبيعي على المكانة الإقليمية لإسرائيل، وعلى وضعها الاستراتيجي، وعلى المسعى الذي تبذله إسرائيل للتخلص من التبعية للنفط وتطوير مصادر جديدة للطاقة. ناهيك بانعكاسات هذا كله على خفض أسعار النفط في العالم.
الفوائد البيئية
يعتبر استخدام الغاز الطبيعي أقل ضرراً للبيئة بالمقارنة مثلاً مع المازوت والسولار. فلا تنبعث منه غازات سامة، كما لا يشكل مصدراً للحرارة. ولذلك انعكاساته الإيجابية على تحسين نوعية الحياة ومواجهة التلوث والاحتباس الحراري.
إن حقول الغاز الطبيعي الجديدة المكتشفة في إسرائيل هي نتيجة عمل وبحوث واستثمارات طائلة عكفت على تنفيذها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طوال عقود. هذا في الوقت الذي يعود دخول لبنان هذا المضمار الى وقت قريب، ولم يتجاوز حتى الآن اطار التحضيرات القانونية وتوزيع الصلاحيات، في حين أن أكثر ما يحتاج إليه قطاع التنقيب عن الغاز والنفط في لبنان هو الخبرات العلمية والهندسية، والأهم الاستثمارات الكبيرة، فهل لبنان على قدر التحدي؟
• شموئيل ايبن – قطاع الغاز الطبيعي في اسرائيل – الانعكاسات الاقتصادية والاستراتيجية" – معهد دراسات الامن القومي – حزيران 2010
(الدراسات الاسرائيلية في "قضايا النهار")




















