على الرغم من التحذيرات التي تتضمنها بيانات المنظمات غير الحكومية، وخصوصا تلك المهتمة بالبيئة، المتعلقة بالخطورة التي تشكلها مشاريع التنقيب عن البترول والغاز في منطقة القطب الشمالي، ليس فقط على الكائنات الحية انسان وحيوان… التي تعيش فيها، بل على اولئك الذين يقومون بعمليات التنقيب انفسهم لإسباب عديدة اهمها العوامل الطبيعية الي تتعرض لها المنطقة من رياح عاصفة شديدة وإنهيارات ثلجية ضخمة بفعل الانحباس الحراري وارتفاع حرارة سطح الارض، وكذلك نوعية التربة جليد وطبقات ثلجية كثيفة.. التي ستجري عمليات التنقيب فيها. وقد ارتفعت اصوات هذه المنظمات في الاشهر الاخيرة على أثر ما جرى في 20 نيسان الماضي عند شواطىء لويزيانا الاميركية من تسرب للنفط احدث بقعة سوداء وتسبب بكارثة بيئية هي الاسوأفي تاريخ الانسانية الحديث، وبفقدان 11 عاملا فوق احدى المنصات النفطية. على الرغم من ذلك فإن منطقة القطب الشمالي ما زالت مقصد رجال السياسة والاعمال ومسؤولي شركات النفط العملاقة، وكل يسعى الى ان ينال حصة في الثروات الطبيعية بترول وغاز التي تختزنها تربة هذه المنطقة. وتشير احدث التقديرات الى ان حجم هذه الثروات تقارب ال90 مليار برميل بترول اي مجموع احتياط نيجيريا وكازخستان والمكسيك من هذه المادة ويغطي الاستهلاك العالمي لمدة ثلاث سنوات على اساس ان هذا الاستهلاك هو بحدود الـ87 مليون برميل يوميا، وحوالي 48 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي اي ما بعادل الـ30 بالمئة من الاحتياط العالمي. يضاف الى هذه الثروات المهمة، هناك اهمية موازية تتمثل باستخدام مضيق "بيرنغ" في السنوات القادمة امام الملاحة الدولية طيلة ايام السنة بسبب تسارع ذوبان الحليد والثلج، مما يجعل المسافة ما بين اوروبا وآسيا اقصر واكثر امنا، وعلى سبيل المثال تصبح المسافة بين شانغهاي الصينية وهامبورغ الالمانية اقصر ب6400 كيلومتر. لقد وضعت الدول المشاطئة لبحار المنطقة خططا وآليات لإستغلال الثروات الطبيعية بناء لإتفاقية الامم المتحدة حول حقوق الملكية في الجرف القاري الموقعة من من هذه الدول وهي : الولايات المتحدة، روسيا، كندا، الدانمارك والنروج، وشكلت مجلسا خاصا للاهتمام بشؤون المنطقة.
لم تكن الصين بعيدة عما يجري، حتى ولو كانت بعيدة جغرافيا عن المنطقة، وذلك على ضوء حاجتها الماسة للطاقة، خصوصا انها اصبحت، حسب آخر تقرير للوكالة الدولية للطاقة، المستهلك العالمي الاول للطاقة وتجاوزت بذلك الولايات المتحدة الاميركية التي احتلت مركز المستهلك العالمي الاول لهذه المادة لمدة اكثر من قرن ؛ وبلغ استهلاك الصين عام 2009، حسب التقرير نفسه، حوالي 2252 مليون طن من البترول اي بزيادة 4 بالمئة عن الولايات المتحدة، ووضعت بكين منطقة القطب الشمالي ضمن دائرة اهتماماتها الملحة، ونقلت هذه الاهتمامات من القطب الجنوبي، حيث كانت من السباقين الى هذا القطب، الى القطب الشمالي منذ نهاية العقد الماضي وقامت بأول رحلة استكشافية اليه عام 1999 تلا ذلك ثلاث رحلات كان آخرها الاول من تموز 2010 عندما توجهت كاسحة جليد صينية بمرافقة سفينة تحمل حوالي مائة عالم صيني وعدد من العلماء الاجانب، كما اقامت محطة ابحاث علمية ثابتة مختصة بشؤون المنطقة. الى جانب هذا الاهتمام البحثي العلمي، عززت بكين تواجدها الديبلوماسي مع دول المنطقة فاقامت سفارة، اعتبرت من اكبر السفارات الاجنبية في "ريكيافيك" عاصمة جمهورية ايسلندا الصغيرة ذات الموقع الاستراتيجي المهم على مدخل القطب الشمالي وتتمتع بوجود ثلاث مرافىء عميقة لإستقبال السفن العملاقة الحاملة للحاويات الضخمة التي تُبحر بين هذه المرافىء وأي مرفأ آخر في بحر "بيرنغ "، وعندما قام رئيس جمهورية هذه البلد الصغير بزيارة الى بكين عام 2007 استقبلته القيادة الصينية بمظاهر احتفالية كرئيس دولة كبرى.
في هذه الاثناء كانت السلطة الصينية تعلن عن سياستها الرسمية تجاه ما يجري في منطقة القطب الشمالي، وذلك على لسان احد اميرالاتها الكبار "ين زهو" الذي اشار الى ان الصين تحترم جدا حقوق السيادة لكل بلد ضمن الحدود الرسمية المعترف بها، لكن منطقة القطب الشمالي ليست جميعها ضمن الحدود الاقليمية للبلدان المجاورة، لذلك هي ملك الانسانية جمعاء ولا يُمكن لأي امة الادعاء بالسيادة على اجزاء خارج حدودها الاقليمية، وبما ان عدد سكان الصين يُمثل خمس سكان العالم فهي تطالب بخمس الثروات الطبيعية الموجودة في القطب الشمالي. موقف لا تنقصه الحجة للدفاع عنه، وقد رأى فيه المراقبون انه يؤسس لمرحلة جديدة ستقدم فيها بكين، ليس القيام برحلات بحرية استكشافية او اقامة محطات ثابتة فقط، بل على اتخاذ خطوات عملانية لإثبات حقها الذي تطالب فيه.
"المستقبل"




















