تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة التصريحات المتبادلة بين العاصمتين الإيرانية والروسية، وخصوصا منذ تصويت الأخيرة على الحزمة الرابعة من العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن الدولي ضد إيران في التاسع من حزيران (يونيو) الماضي.
وآخر هذه التصريحات ما نقله التلفزيون الإيراني الرسمي (24/7)، عن الرئيس محمود أحمدي نجاد من أن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف "أصبح الناطق باسم أعداء إيران"، وذلك بعد أن أبلغ الأخير سفراءه في الثاني عشر من تموز بأن إيران "تقترب من امتلاك القدرة على صنع أسلحة نووية". ثم عاد ودعا طهران لتقديم "إيضاحات بشأن عناصر عسكرية في برنامجها النووي". وبدا الكرملين بذلك يقترب أكثر من الموقف الأميركي والغربي بشأن البرنامج النووي الإيراني. واعتبرت التصريحات بأنها تعكس تحولا في الموقف الروسي، لأنها كانت المرة الأولى التي ينبه فيها رئيس روسي إلى تهديد محتمل جراء امكان امتلاك طهران للسلاح النووي، بعد أن أكد مسؤولون روس مرارا في الماضي أن إيران "لا تملك قدرات لتطوير سلاح نووي في المدى المنظور".
وبدا إعلان ميدفيديف حول اقتراب إيران من صنع قنبلة ذرية، في نظر بعضهم، بمثابة صدى لتصريح سابق كان أدلى به مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي أي إيه) ليون بانيتا، واعتبره الرئيس الروسي في حينه "مقلقا". بدورها اعتبرت طهران آنئذ أن "الاستخبارات الأميركية والبريطانية تتلاعب بموسكو"، وطرحت تساؤلات مشككة حول "أهداف وصفقات من وراء الكواليس"؟!، ووجهت تحذيرا مبطنا إلى الروس من إبرام صفقات مع الولايات المتحدة لا ترضيها.
وإذ تنحي طهران باللائمة على موسكو وتشير إلى "صفقات محتملة" تقف وراء تبدل موقفها، فإن عددا من المراقبين والمحللين يعتبرون أن التجاهل الإيراني للدور الروسي المفترض في مشروع تبادل الوقود النووي المقدم سابقا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي رفضته طهران، وفضّلت، بدلا منه، التوقيع على الاتفاق الثلاثي مع كل من تركيا والبرازيل، هو الذي ساهم في تحول وجهة موسكو.
ويعتقد هؤلاء المراقبون والمحللون أن ميل طهران نحو أنقرة وبرازيليا، وتفضيلها لهما على حساب موسكو، جعلها لا تبدي تجاهلا للدور الروسي فحسب، بل تبدي تجاهلا كذلك إلى واقع كون روسيا هي "الشريك الدولي النووي الرئيسي لإيران" وهي التي تبني أول محطة للطاقة النووية في إيران بالقرب من ميناء بوشهر، (على رغم تأخير افتتاح هذه المحطة مرارا!)، وهذا ما دفع موسكو، في نظر هؤلاء، إلى الانعطاف في موقفها، على الرغم من كون إيران بالنسبة إليها أيضا "شريك تجاري وتاريخي فاعل"، ووقعت معها أخيرا اتفاقا لتزويدها بمشتقات نفطية، يعود عليها بمليارات الدولارات.
وإلى ذلك، فإن الموقف الروسي يندرج، في نظر كثير من المراقبين، في إطار سياسة خارجية تركز على تطوير علاقات موسكو مع دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو ما كان عبر عنه الرئيس الروسي نفسه حين حدد أولويات بلاده، على هذا الصعيد، في "بناء علاقات دولية تخدم الانفتاح وتحسين الاقتصاد الروسي"، ورأى أن على الدبلوماسية الروسية" العمل بانفتاح وبراغماتية والتخلص من الصيغ الجامدة التي حكمت عملها في الماضي".
ضمن هذا السياق جاء، حسب المراقبين، التوقيع الروسي على تجديد معاهدة "ستارت – 2" للحد من الأسلحة النووية والإستراتيجية، ودعم موسكو لقرار مجلس الأمن بتشديد العقوبات على إيران، والسماح بعبور الشحنات الأطلسية المتجهة إلى أفغانستان عبر الأراضي الروسية، وكذلك الحل الهادئ أخيرا لقضية الجواسيس مع الولايات المتحدة. وكذلك توقيع اتفاقيات تجارية بمليارات اليورو بين موسكو وبرلين ودعوة ميدفيديف الشركات الألمانية إلى المساهمة في تطوير الاقتصاد الروسي "كي يواكب العصر" على حد تعبيره.
وبالمقابل، فإن إيران تكتفي بالنزوع نحو توجيه الاتهامات والتحذيرات، وتشديد نبرتها حتى تجاه الدول التي ينبغي عليها الحفاظ على علاقات طيبة معها، أو أقله تحييدها وعدم دفعها إلى خندق الأعداء. وكان آخر تلك التحذيرات ما وجهه نجاد إلى دول الإتحاد الأوروبي، عشية إقرارها لرزمة من العقوبات الجديدة تعد من أضخم العقوبات التي تبناها الاتحاد بحق إيران، وتستهدف خصوصا قطاع النفط والغازوالنقل. معتبرا أن "الأميركيين استطاعوا جر عدد من الدول الأوروبية وروسيا لمسايرة خططهم"، لكنه حذر بأن على الجميع أن يعلموا بأن أي إجراء يتخذ ضد إيران، "سيواجه برد فوري يجعلهم يندمون"!.
وبالاستناد إلى المبدأ الذي يقول بأن الطموح للعب أدوار دولية وإقليمية كبيرة، لابد أن يبنى على اقتصاد قوي ومكين، فإن السؤال الذي يطرحه بعض المراقبين هو: إذا لم يكن ذلك متوافرا في الوقت الراهن حتى لروسيا (كما تشير إلى ذلك تصريحات الرئيس ميدفيديف آنفة الذكر)، وهي ثاني أكبر قوة نووية في العالم، فهل تتوفر طهران على ذلك؟ ثم ماذا ستنفع حيازة القوة النووية إذا غابت عنها القاعدة الاقتصادية الصلبة؟ وهل نفعت تلك القوة، موسكو، من قبل؟
"المستقبل"




















