سيستان بلوشستان تقع جنوبي شرقي إيران على الحدود مع باكستان وأفغانستان وتعد ثالث أكبر محافظة في إيران، وعاصمتها زاهدان. وتتكون هذه المنطقة من جزئين هما سيستان في الشمال وبلوشستان في الجنوب.وتعد من أفقر المناطق الإيرانية ولكن أهميتها من موقعها الجيوستراتيجي على مفترق طرق، حيث تشكل معبراً أساسياً لمختلف أنواع التبادل التجاري مع باكستان وأفغانستان ومنها المخدرات. ولقد شهدت خلال السنوات الأخيرة تنامي الحركات الأصولية السنية الانفصالية وتشكلت فيها تنظيمات متشددة مثل تنظيم "جند الله" الذي ظهر سنة 2002 ويتبنى حالياً العمل المسلح بحجة تحصيل حقوق أهل السنة الذي يعتبر أنها مهدورة ومغتصبة من قبل الجمهورية الإسلامية. وفي الفترة الأخيرة أعلن التنظيم تجرده عن القتال بدوافع مذهبية، فغير اسمه إلى "حركة المقاومة الوطنية الإيرانية"، التي تقاوم من أجل إقامة الدولة البلوشية المستقلة.
والخطورة لا تأتي من هنا من هذه النزعة الانفصالية لمنطقة بلوشستان بل مما باتت تشكله هذه المنطقة وما تحتويه من حركات مناهضة للسلطة المركزية، ومن خلفية تحولها التدريجي إلى بؤرة للتفجير الداخلي في إيران.فبعد كل الأحداث الدامية التي شهدتها عاصمتها زاهدان، ناهيك عن النشاط المركز لحركات أصولية انطلقت منها باتجاه مناطق مختلفة في إيران، جاء هجوم نفذته جماعة جند الله في إيران بتاريخ 28/5/2009 مستهدفة تجمعاً للحرس الثوري وقوات الباسيدج داخل حسينية في مدينة زاهدان، ليسلط الضوء على تنامي وتصعيد حالة الاحتقان والتأزم على ما تعتبره الجماعات الإسلامية اضطهاداً للسنة بإيران، في منعهم من ممارسة حقوقهم الأساسية كالصلاة والتعليم، وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية. والجدير بالذكر بأن هذا التفجير جاء متزامنا مع الحديث حينها عن محاولة لتفجير طائرة في إقليم الأحواز السني، وبعد أشهر من محاولة اغتيال الرئيس أحمدي نجاد في إقليم بلوشستان.
ولقد قفزت في الآونة الأخيرة هذه المنطقة من جديد إلى واجهة الأخبار بعد التفجير الانتحاري لمسجد أمير المؤمنين في عاصمتها زاهدان، الذي أودى بحياة 25 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن مئة جريح. وهو تفجير كانت قد أعلنت المسؤولية عنه منظمة "جند الله"المتطرفة، وأعلنت أنها قامت به انتقاماً لإعدام زعيم التنظيم عبد الملك ريغي بعد اعتقاله في الجو، لدى مرور طائرته فوق الخليج، وتم اجبارها على الهبوط داخل الأراضي الإيرانية. أعدم زعيم الحركة شنقاً في 20 حزيران من العام الحالي، بعد شهر على إعدام شقيقه الأصغر عبد الحميد ريغي شنقاً أيضاً داخل السجن، والذي كانت باكستان قد اعتقلته خلال العام 2008، وسلمته إلى إيران.هذا وقد تلا العملية الانتحارية على المسجد الشيعي بيان على موقع التنظيم، عالي النبرة، يعتبر أن التنظيم "وجه ضربة إلى قلب الحرس الثوري وأرسل إلى الجحيم أكثر من مئة من عناصره"وأن العملية جاءت "رداً على الفظاعات التي يرتكبها النظام الإيراني في بلوشستان، والذي على حد ما جاء في البيان "يعتقد أنه بمقتل عبد الملك سوف تنتهي المعركة"، وتوعد التنظيم بشن هجمات جديدة. ويقدر بعض الخبراء عدد عناصر جند الله عند اعتقال قائدها في شهر شباط الماضي بنحو الف شخص.
وبالرغم من إدانة شبه عالمية صدرت عن واشنطن وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، وصفت هذا الهجوم بال"وحشي"، ما زالت طهران تصر على توجيه الاتهامات للولايات المتحدة والسعودية وبريطانيا وحلف الناتو بالإضافة إلى تل أبيب، على خلفية اعتبارهم محرضين أو مخططين أو داعمين لتنظيم "جند الله"الإسلامي. فيما اعتبر وصرح أكثر من مسؤول في إيران بعد الحدث عن قناعته بأن أهداف مشبوهة تكمن وراء هذه العمليات وتسعى لذرع بذور الشقاق الطائفي بين السنة والشيعة في إيران.
في الواقع غالبا ما يختلط في تلك المحافظة الحدودية أسوة بباقي مناطق الأطراف الحدودية الأخرى الصراع القومي والطائفي بمطالب أخرى غير مذهبية وغير إثنية. وتأتي حالة الفقر المدقع والتهميش الانمائي في مقدمة مسببات ودوافع حركات التمرد والاحتجاج. ولكن السلطة المركزية تحاول حصر التحرك المناهض بالحركات الأصولية ومنها "جند الله" السنية المتشددة. مع العلم أن هذا التنظيم ليس وحده هو الذي يسعى للتعبير عن حقوق مشروعة للأقليات. فالأقليات الأخرى تطالب بالمساواة، ورفض السياسات التميزية التي تمارسها ضدهم السلطات الحكومية من تضييق في الممارسة الدينية أو في وفي المعاملات اليومية، ناهيك عن عمليات الاعتقال والشنق السريع في غياب المحاكمات العادلة.
يبقى أن التطورات الأمنية الأخيرة والتي أخذت طابعاً مذهبياً في زاهدان عاصمة بلوشستان، باتت تطرح جملة من الأسئلة حول مآل هذا النوع من الأحداث. فلا المقاومة السنية التي يقودها "جند الله"هي على مشارف الإحباط، والتراجع ولا السلطات الإيرانية هي بصدد التهاون معها. ما يعني أن استمرار التدهور الأمني في هذه المناطق كما في سواها من المناطق الآهلة بالأقليات، هو أمر متوقع خاصة وأن النزاع المذهبي السني الشيعي على وجه الخصوص، في ما عداها من المناطق والدول العربية المجاورة، لا يزال يشكل ناراً تحت الرماد، وقابلاً للاتقاد في أي وقت وتحت أي ذريعة.
"المستقبل"




















