تتحفنا غزّة، في ظلّ «حماس»، بأكثر من مشهد واحد شهريّاً، وأحياناً بأكثر من مشهد مثير في الأسبوع. وأخبار غزّة، في ظلّ «حماس»، تدور حول المسائل المسمّاة أخلاقيّة أو متّصلة بالآداب العامّة ممّا يكمن جذره في تأويل ما للدين.
فما إن منعت وزارة الداخلية في حكومة «حماس» النساء من تدخين النرجيلة في الأماكن العامّة بالقطاع «لمنافاته للعادات والأعراف الاجتماعيّة»، كما منعت الرجال من العمل في محلاّت تصفيف الشعر للنساء، حتّى أعلن الناطق باسم الشرطة أنّ جهازه قرّر وضع ضوابط على محلاّت بيع الملابس النسائيّة، من أجل «الحفاظ على الآداب العامّة» والاحتشام. فأصحاب تلك المحلاّت يتوجّب عليهم، بعد اليوم، إبقاء أبواب محلاّتهم «مفتوحة»، كما يُمنعون من «وضع شريط لاصق داكن على الزجاج، إضافة الى ضرورة عدم وجود أماكن مغلقة داخل محلاّتهم». وتابع المسؤول الأمنيّ الحمساويّ، تبعاً لما نقلته الزميلة «القدس العربيّ»، أنّه «يُمنع أيضاً منعاً باتّاً وضع أيّ أداة تصوير داخل المحلّ، ويُمنع عرض الملابس الفاضحة أمام المحلاّت». أمّا القرار نفسه فيأتي «في سياق سعي الشرطة الفلسطينيّة الى الحفاظ على الآداب العامّة في الشارع بما يضمن راحة المواطن الفلسطينيّ».
واضحٌ أنّ بورصة النشاط المسمّى أخلاقيّاً، وعنوانه «المنع»، ترتفع في موازاة انخفاض بورصة المقاومة. فـ «حماس» التي لم تعد تطلق صواريخها في اتّجاه عدوّها الإسرائيليّ، باتت تكثر إطلاق صواريخ من نوع مختلف في اتّجاه شعبها.
هكذا، وقبل أن يزول الحصار الإسرائيليّ الجائر، تُحكم «حماس»، باسم الأخلاق والآداب والعادات، وهي كلّها مزعومة، حصاراً ظالماً يرزح على صدور الغزّاويّين، لا سيّما الغزّاويّات.
والواقع أنّ ثمّة علاقة تكامليّة بين النشاط المقاوم والنشاط المسمّى أخلاقيّاً كما ترعاه «حماس»، يشبه العلاقة التكامليّة بين نازع التمرّد المطلق ونازع الاستبداد. فالمقاومات عموماً تشيع أجواء من التقشّف السلوكيّ الكاره للاسترخاء واللعب والحريّات الفرديّة والتصرّف المزاجيّ بوصفها ممّا يتعارض مع أولويّة القضيّة وإلحاحها، فيما التطرّف السلوكيّ، وعلى ما يشي تاريخ الفرق البروتستانتيّة وغير البروتستانتيّة المتطرّفة، مرشّح دائماً لأن يتّخذ أشكالاً تنظيميّة وأحياناً عنفيّة.
هكذا تحدث الإزاحات في المكان ذاته: فالتعبئة والاستنفار اللذان تثيرهما المقاومة صالحان لإعادة التدوير والاستخدام في الأخلاقيّات، والعكس بالعكس.
لكنّ الأسئلة التي لا تُسأل إلاّ نادراً: لماذا هذه المراوحة الدائمة بين هذين المستويين العُصابيّين؟. لماذا لا يظهر من «يزايد» على «حماس» من موقع أكثر اعتدالاً ويكون، في الوقت ذاته، قادراً على ملاقاتها في «الشارع»؟ ولماذا حين تنوي «حماس» الالتفاف على حركة تتجاوزها، أو تهدّد بتجاوزها، في حيّز المقاومة، تردّ بالتجاوز في حيّز الأخلاقيّات؟.
أغلب الظنّ أنّ المشهد الغزّاويّ، في ظلّ تلك الحركة الإسلامويّة، خير شاهد على اعتصار السياسة في مجتمعاتنا ما بين مستويات من العنف، أحدها يُدعى المقاومة والآخر يُدعى المنع الأخلاقيّ، وغالباً ما يجد أحد هذه المستويات تصريفه في مستوى آخر… وهكذا دواليك. أمّا الباحثون عن قضايا تبرّر هذه الأفعال فيجدون مناجم منها، تبدأ بفلسطين، وهي ليست فلسطين، ولا تنتهي بالعادات والتقاليد، وهي ليست العادات والتقاليد.
"الحياة"




















