يعمل أهالي قرية دير ماما في محافظة حماة بتربية دودة القز منذ مئات السنين بكل مراحلها بدءاً من عملية تربية دودة القز مروراً باستخلاص خيوط الحرير الطبيعي وصولاً إلى غزلها ونسجها شالات وقطعاً حريرية ذات استعمالات متعددة وأزياء تراثية تختص بها منطقة مصياف وتتباهى بها نساؤها لما تضفيه عليهن من جمال اخاذ ومظهر لائق.
وتستخدم المنتجات الحريرية في أغراض عديدة كصناعة الخيوط الجراحية في الطب ومظلات الطائرات والألبسة وللحرير أنواع مختلفة مثل الخز ويصنع من الحرير والصوف والوبر والابرسيم وهو حرير خالص أما الديباج فهو نسيج حريري موشى بخيوط من الذهب أو الفضة. وقال رئيس بلدية قرية دير ماما محمد سعود إن الحرير الطبيعي لا يقل شأناً عن أي عمل تراثي ينبغي الحفاظ عليه، مشيراً إلى أن منتجات الحرير الطبيعي عبر العصور القديمة كانت حكراً على بعض الإمبراطوريات والأمم حيث كان يحظر إفشاء سر إنتاجه لدرجة أنه يعد من الخيانات العظمى التي يعاقب كل من يخل بذلك.
وأوضح أن دودة الحرير تسمية تطلق على الدودة المنتجة للحرير التي يوجد في فمها زوج من الغدد اللعابية المسماة غدد الحرير وهي تقوم بإفراز سائل صاف لزج يتصلب عند ملامسته الهواء وتبدو دودة القز عادة بيضاء اللون مائلة إلى الصفرة وتتغذى على أوراق نبات التوت ذي الثمار البيضاء وتنتج هذه الدودة التي تعيش على أوراق التوت أجود أنواع الحرير وذلك بعد الفقس بحوالي 6 أسابيع.
حيث تتوقف عن الطعام وتبدأ عملية نسج الشرانق وخلال إنتاج الحرير تجارياً يسمح لعدد كاف من الفراشات البالغة فقط أن تخرج من الشرنقة لضمان استمرار النوع.
ودعا سعود إلى ضرورة إعادة إحياء هذه المهنة عن طريق تشغيل وحدة دير ماما لتربية وصناعة الحرير الطبيعي وإقامة مهرجان سنوي يسلط الضوء على هذا المنتج الأصيل مع تنظيم معرض يضم جميع الأدوات التي كانت تستخدم قديماً في تصنيع الحرير بجميع مراحله بدءاً من البذور وانتهاء بتصنيع القطع الحريرية ما يضفي لمسة تراثية على هذا المعرض وإنشاء مركز بيع ضمن الوحدة لبيع جميع المنتجات المصنعة بالقرية.
وقال محمد علي سعود أحد مربي دودة القز وإنتاج الحرير الطبيعي في القرية التي يزيد عدد سكانها على 7500 نسمة إن إنتاج شرانق الحرير الطبيعي في القرية تراجع خلال العقدين الأخيرين لدرجة أصبحت تنذر ببدء اندثار هذه المهنة الأصيلة.
حيث كان إنتاج القرية من الشرانق في التسعينيات من القرن الماضي يزيد على 8 أطنان في حين أنه في الوقت الراهن لا يتعدى الإنتاج في أحسن الأحوال 150 كغ من الحرير بسبب انخفاض أعداد أشجار التوت في القرية إذ لا يتوفر حالياً سوى مئات الأشجار فيما كان عددها أكثر من 100 ألف شجرة.
مشيراً إلى أنه رغم كل هذه الظروف يلاحظ أن هناك إصراراً من قبل أهالي القرية للحفاظ على استمرار وبقاء هذه المهنة التي تشكل إرثاً متجذراً في نفوسهم ووجدانهم لوجود رابط نفسي واجتماعي وتاريخي بينهم وبين شجرة التوت.
وأوضح سعود أن هذه المهنة تتطلب دولابا لحل واستخلاص الخيوط الحريرية ونولاً صغيراً لغزلها ونسجها للوصول إلى منتجات وقطع مصنوعة من الحرير الخالص يتراوح سعر الواحدة منها بين 3000 و8000 ليرة سورية وذلك حسب حجم القطعة وكثافة الخيوط الحريرية فيها.
لافتاً إلى أنه تشجيعاً من الدولة لهذه المهنة والحفاظ عليها تم إنشاء معمل في منطقة دريكيش في محافظة طرطوس لإنتاج الحرير الطبيعي بطاقة إنتاجية تصل إلى 33 طناً سنوياً لكن في الواقع لا تتجاوز الطاقة التشغيلية للمعمل 5,1 طن جراء تدني إنتاج الحرير الطبيعي الذي يتم توريده إلى المعمل سواء من قرية دير ماما وبعض القرى المجاورة لها بالإضافة إلى منطقة دريكيش ومنطقة صافيتا.
وأضاف انه فيما يتعلق باستخلاص خيوط الحرير الطبيعي والتي تسمى هذه العملية «الحليلة» «مرحلة سلب الخيوط» يتم وضع كمية من القز في ماء مغلي حيث تحرك لفترة قصيرة يبدأ بعدها الحرير بالانحلال والتمدد يجري عقب ذلك وضع الخيطان على دولاب خاص يكون قد أخذ فيه شكل خيطان حرير طبيعي.
لافتا إلى ضرورة إعادة الألق والحياة مجددا لهذه المهنة العريقة التي كانت تشهد عصراً ذهبياً خلال ثلاثينيات القرن الماضي حيث كان فيها سعر 7 كيلوغرامات من الشرانق يساوي ليرة ذهبية الأمر الذي يعكس المكانة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تحتلها آنذاك.
وطالب أحمد خضور من أهالي قرية دير ماما بتشجيع الدولة لأهالي القرية على تربية دودة القز والنهوض بمستوى هذه المهنة التي تعد من أبرز رموز التراث والفلكلور الأصيل لقرية دير ماما من خلال زيادة أسعارها وإقامة المعارض الدورية وإطلاق حملات ترويج سياحي واقتصادي لمنتجاتها وإيجاد أسواق التصريف المطلوبة لها بما يحقق ريعية اقتصادية جيدة لمنتجي الحرير الطبيعي.
حيث لا يزال الكثير من نساء القرية يشتغل في نسجه وتصميم العديد من الأزياء التقليدية من المنسوجات الحريرية التي تعبر عن تراث القرية كشال الحرير الذي يعد من أهم الأزياء التراثية لنساء القرية إذ يستخدم في المناسبات كالأعراس وحفلات الخطوبة كما تحيك النساء قطعاً حريرية ذات أغراض عديدة وهي جميعها من الحرير الخالص الذي تتم حياكته بواسطة سنارة واحدة وبأشكال متعددة حسب الرغبة.
دمشق ـ أحمد كيلاني
"البيان"




















