في بداية يوليو علمنا بوفاة الإمام محمد حسين فضل الله في لبنان، هذا الرجل الذي درج على تسميته «الزعيم الروحي لحزب الله»، وهذا هو موت «ورقة التين» الإيرانية في نشاطها السياسي والعسكري في لبنان، ونهاية الواقع الموهوم الذي أرادوا فيه أن يعتقد الآخرون بأنه يوجد لحزب الله زعيم روحي في لبنان.
قصة فضل الله هي بالأساس قصة فشل دولة إسرائيل وسياستها تجاه الطائفة الشيعية في لبنان. من يوم وصول فضل الله إلى لبنان في 1966، بلور مفهوماً فكرياً مغايراً تماماً عن المفهوم الفكري للزعيم الديني السابق الإمام موسى الصدر ذي الأهمية الكبيرة للشيعة في لبنان.
فقد قاد الصدر الطائفة الشيعية نحو التركيز على مصالحها وبناء مؤسساتها الخاصة المستقلة، بل ووقف ضد الفلسطينيين الذين سيطروا على جنوب لبنان واستخدموه للصراع ضد إسرائيل، أما حسين فضل الله فعلى العكس، كان يقود فكرا يضع الصراع ضد إسرائيل فوق مصالح الطائفة الشيعية، وقد استغل حملة الليطاني، حرب لبنان الأولى ووصول إسرائيل إلى مدينة بيروت كي يوثق التضامن بين الشيعة والفلسطينيين.
بقي فضل الله في ظل الصدر حتى شباط 1978، حين اختفى الصدر في أثناء زيارة رسمية له إلى ليبيا، وأغلب الظن قتل مع مرافقيه على يد معمر القذافي.
ثورة الخميني في إيران في 1979، كانت الحدث التأسيسي الذي ارتقبه فضل الله.
مع بداية حكم الخميني في إيران أرسل بمبعوثين لنشر الثورة في لبنان، وفضل الله كان هو الذي أصبح حليفا للمبعوثين. كان فضل الله ذخرا للإيرانيين لأنه كان قادرا على أن ينقل الرسالة الإيرانية باللغة العربية الفصيحة على لسانه، فعطل بذلك الفوارق الثقافية التي بين الطائفة الشيعية في لبنان وبين مبعوثي الخميني من إيران.
في 1979 كانت منظمة «أمل» هي المنظمة الأكبر والأكثر أهمية في الطائفة الشيعية، وعمل فضل الله بنشاط لتغيير طرائق عملها بشكل يتناسب والمزاج الذي جاء من طهران. ولكن بعد أن فشلت العملية، اضطر فضل الله إلى الموافقة والدعم لإقامة منظمة شيعية جديدة ــ حزب الله.
ومع اختفاء موسى الصدر ونجاح الثورة الإيرانية، طرأ تغيير مهم على قوته ومكانته في لبنان، وذلك لأن غياب المنافسة على أذان وقلوب أبناء الطائفة في لبنان تعزز الآن بالأموال، برجال الدعاية والفلسفة الذين وصلوا من طهران.
ولكن رغم أنه اعتبر الزعيم الروحي، إلا أن تأثير فضل الله في حزب الله كان محدوداً، وكان التقدير هو أنه كلما تعزز حزب الله، قل التزام المبعوثين من إيران به.
فرصة فائتة
قصة فضل الله هي أيضاً قصة فشل إسرائيل في لبنان وتفويت الفرصة لتحويل الشيعة إلى حلفاء لها. دولة إسرائيل، التي حررت الجنوب الشيعي من سلطة طغيان المنظمات الفلسطينية، واصلت التعامل مع الطائفة الشيعية بذات الشكل الذي تعامل معها به المسيحيون، وبالأساس لم تقدم أي مؤشر على أنها مستعدة لأن تسمح للطائفة الشيعية في جنوب لبنان بالسيطرة في مناطقها.
الطائفة الشيعية، التي إلى جانبها عاش يهود لبنان في حي وادي أبو جميل في غربي بيروت، لم تحظ بمعاملة مناسبة من جانبنا، ونحن تبنينا المفهوم الفكري لباقي الطوائف تجاهها.
موت فضل الله هو موت «ورقة التين» الإيرانية الأخيرة في لبنان، ومن الآن فصاعداً لن يكون هناك زعيم ديني شيعي يقال عنه انه الزعيم الروحي لحزب الله. والآن بشكل عملي وبشكل علني أيضاً، سيكون آية الله خمينئي، الزعيم الروحي لإيران، الزعيم الروحي والمرجعية الفقهية للشيعة في لبنان.
ـ «يديعوت أحرونوت»
"البيان"




















