رام الله – من محمد هواش:
يندرج قرار لجنة متابعة مبادرة السلام العربية ترك الباب موارباً للانتقال من محادثات التقريب التي يجريها المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل الى المفاوضات المباشرة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، في اطار ادارة نزاع على مضمون اي تسوية فلسطينية – اسرائيلية وتسويات عربية – اسرائيلية اكثر منه قراراً لادارة المفاوضات المباشرة بين الجانبين.
كرة الضغوط الاميركية والدولية على اسرائيل خلال محادثات التقريب والتي اظهرت مسافة واضحة بين مواقف الاسرة الدولية ومواقف اسرائيل حيال مضمون التسوية المتعثرة ، وصلت الى منطقة ظلال. وثمة تقديرات فلسطينية ان هذه الضغوط فعلت فعلها، مع ان ثمة ظلالا قوية من الشكوك ان تكون اسرائيل استجابت لمتطلبات مفاوضات مباشرة، على خلفية مواصلتها سياسات احادية الطرف تتعارض كليا مع مبدأ اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، وتتعارض مع مبدأ انهاء الاحتلال، وتلويحها بمواصلة الاستيطان الذي لم يتوقف في مدينة القدس ومحيطها، الامر الذي يناقض ايضا كل حديث عن مرجعية واضحة في موضوعي الحدود والامن يطالب بها الفلسطينيون قبل الانتقال الى مفاوضات مباشرة، علماً ان الرئيس عباس اشار امام اعضاء لجنة المتابعة العربية الى ما يفيد بتغيير لم يفصح عن مستواه وحدوده في الموقف الاسرائيلي، اذ قال :"طلبت من السناتور ميتشل ان يوافق نتنياهو على مرجعية تنص على قبول مبدأ الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، مع تبادل طفيف مُتفق عليه (موافقة الحكومة الاسرائيلية وليس الادارة الاميركية)، وان نائب مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل قال يوم 27 تموز ان الرئيس باراك اوباما عرض ذلك على نتنياهو في اجتماعه معه في 6 تموز وان الرد الذي حصل عليه من نتنياهو حفزه على طلب الانتقال الى المحادثات المباشرة فورا، ووقف النشاطات الاستيطانية في الضفة الغربية وبما يشمل القدس الشرقية، واعلمونا انه اذا دخلنا المحادثات المباشرة، فإنهم سيعملون على تمديد التجميد الموقت (للاستيطان) بشكل شامل والمقرر انتهاؤه في 26 ايلول المقبل، وعدم ربط خطوات بناء الثقة بقضايا الوضع النهائي".
لكن عباس لم يوضح ما اذا ما كان التحفيز مصدره مواقف اسرائيلية جديدة ام مواقف عمومية وضبابية. ولذلك اشار في معرض حديثه الى ان "خيارات اخرى لدى الفلسطينيين مثل التوجه الى مجلس الامن لاستصدار قرار باقامة دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران 1967 لا تزال قائمة "، علماً ان لجانا فلسطينية عربية مشتركة خلف الاضواء تبحث في مثل هذا الخيار وتستعد له.
قوة التغيير في المواقف الجديدة غير واضحة المعالم وهي تسمح بالموقف ونقيضه، وتسمح اكثر بقيود اشد على الرئيس عباس لجهة تحميله وحيداً مسؤولية اي قرار ببدء مفاوضات مباشرة مع اسرائيل لا شعبية فلسطينية وعربية واسلامية لها ، خصوصا مع وجود ضغوط فلسطينية داخلية عليه من حركتي "فتح" والمقاومة الاسلامية "حماس" تتجسد في ادخال تعديل وزاري على حكومة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض وتجريده من وزارة المال كما تطالب "فتح"، بينما تطالب "حماس" بازاحته تماما من رئاسة الحكومة، وهي تحاكي بذلك بعضا مع اقطاب "فتح" في الضفة الغربية الذين يعتبرون خططه الادارية والمالية وبعض طموحاته السياسية تتجاوز حركة "فتح" ومؤسسة الرئاسة الفلسطينية. وابلغت مصادر فلسطينية رفيعة "النهار" ان "حماس" طلبت من بعض قياديي "فتح" ازاحة فياض شرطا جديدا لاتمام المصالحة الفلسطينية، مع ان فلسطينيين كثراً يعتقدون ان المصالحة الفلسطينية مرهونة بمعادلة اقليمية باتت معروفة.
الى ذلك، يعتقد فلسطينيون ان خياراتهم العملية حيال رفض المفاوضات المباشرة باتت محدودة، وكلفتها غير واضحة مع شعور متنام لدى السلطة الفلسطينية بان ازمة مالية حادة على الابواب بسبب امتناع الدول العربية عن سداد التزاماتها المالية للسلطة الفلسطينية، وان الاصلاحات المالية وتحسين طرق جباية اموال الضرائب والجمارك واثمان المياه والكهرباء قد زادت مقدار الايرادات المالية الداخلية، لكنها لم تصل الى حد الاستغناء و / او القدرة على الوفاء بالتزاماتها المالية من اموال المانحين، وان الدول الاوروبية سددت التزامات وعدت بها بنسبة اكثر من الثلث، بينما لم يسدد معظم الدول العربية التزاماته المالية للسلطة المقررة في القمم العربية.
مع ذلك، يقول الفلسطينيون ان امكان بدء مفاوضات مباشرة مع اسرائيل قد يستغرق وقتا وان مفاوضات مباشرة يمكن ان تبدأ في موعد انتهاء فترة تجميد اسرائيل الجزئي للاستيطان في الضفة الغربية في 26 ايلول، وهي فترة يمكن لجنة المتابعة العربية ان تتلقى خلالها ردا اميركيا على كتاب الاستفسارات الذي بعثته الى واشنطن اثر اجتماعها في القاهرة الخميس الماضي. كما يعطي قرار بدء مفاوضات مباشرة في نهاية ايلول فرصة التراجع عنه اذا ما اتضح ان اسرائيل لم تغير مواقفها حيال موضوعي حدود الدولة الفلسطينية والامن بعد اجراء الانتخابات النصفية في اميركا لان الرئيس اوباما يكون قد دخل الانتخابات ومعه ورقة بدء المفاوضات، وقد يكون حقق انجازا ما وحصل على هامش مناورة سياسي اوسع يستطيع ان يحول تصميمه ووعوده برنامج عمل سياسياً مرتبطاً بجدول زمني لا يتجاوز ولايته الاولى كما وعد الفلسطينيين بذلك.
ثم إن الفلسطينيين قد يوافقون على بدء مفاوضات مباشرة في عالم يتغير لمصلحتهم ويستمع اكثر الى مطالبهم، ولديهم الخبرة والتجربة ان يقلبوا الطاولة اذا ما كانت الوعود بحل الدولتين مجرد لعبة علاقات عامة اميركية او اسرائيلية. وهم فعلوا ذلك سابقا ولديهم القدرة والاستعداد على تكرار المجرب في ظروف ليست اسوأ من سابقاتها.
"النهار"




















