يُمكن اعتبار فردتي الحذاء اللتين رماهما صحافي عراقي شاب على جورج بوش الابن خلال مؤتمر صحافي عقد في بغداد يوم الأحد الماضي، بمثابة حكم قاس على حرب بوش الاستعمارية على العراق، وبالتالي، على رئاسته كلّها.
تمّ إطلاق عدد كبير من الأحكام القاسية على ولاية بوش، ولا شك في أن مزيدا منها سيطلق في المستقبل. إلا أنّ أياً منها لن يكون له التأثير القوي واللافت كما كان لحركة منتظر الزيدي الغاضبة، عندما قام بشتم الرجل الذي حمّله مسؤولية دمار بلده بالقول «هذه قبلة الوداع يا كلب!».
كانت الحرب على العراق خاطئة منذ البداية. فبعد الاعتداءات الإرهابية التي نفذّها تنظيم «القاعدة» على الولايات المتحدة، أراد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أن يلقّن العرب درسا لن ينسوه أبدا حول قوة أميركا العسكرية، رغم انه لم يكن من دليل يربط صدام حسين بأحداث 11 أيلول (سبتمبر). ووضع نائب الرئيس ديك تشيني بدوره عينه على احتياطات النفط الهائلة في العراق، وتصوّر أن اجتياح العراق سيضع هذا البلد وثرواته في عهدة أميركا.
إلا ان أياً من تشيني أو رامسفيلد ما كان لينجح في أن يقود أميركا نحو الحرب لولا التأييد الشديد للمحافظين الجدد والمعلومات المغلوطة التي قدّموها، أمثال بول ولفوفيتز ودوغلاس فايث وريتشارد بيرل ودايفيد وورمسور ولويس (سكوتر) ليبي الذين تبوأوا مناصب مهمّة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وفي مكتب نائب الرئيس.
وعندما مارسوا الضغوط لشنّ اعتداء على العراق، لم يتذرعوا بضرورة أن تصبح أميركا آمنة فحسب، ولا شكّ في أن ذلك تصدّر سلّم أولوياتهم، بل في تحسين بيئة إسرائيل الاستراتيجية، عبر إزالة أي خطر محتمل عليها من الشرق. وبحسب تعبير الصحافي الأميركي فرانك ريتش، كانوا بمثابة «وحدة حربية من الدعائيين، وقاموا ببيع أميركا حربا كاملة بالاعتماد على ذرائع مغلوطة».
يُعتبر الحكم الذي أطلقته صحيفة «فاينانشال تايمز» اللندنية قويا في إيجازه: «قامت إدارة بوش بالاعتماد على نشرة أولية خاطئة بتدمير دولة العراق، وتشتيت طبقاتها الوسطى في أنحاء الشرق الأوسط، وتعزيز الجهاد، وإطلاق حرب طائفية ستتردد تداعياتها على المنطقة بأكملها ولفترة طويلة. وقد ساهم اجتياح العراق في تحويل إيران إلى قوة إقليمية».
لم تتمّ بعد كتابة تاريخ الحرب على العراق وآثارها الدامية، ويجب انتظار سنوات عديدة قبل القيام بذلك، لأن أحداً لا يسعه أن يحصي بشكل دقيق مئات الآلاف من الأشخاص الذين قضوا نحبهم فضلا عن الدمار المادي الهائل. لكن يُمكن للمرء أن يتنبأ بأن الأجيال المستقبلية ستُدين تدمير العراق وتعتبره أحد أكبر الجرائم التي ارتكبت في القرن الحادي والعشرين.
ولا شك في أن الولايات المتحدة قد أدركت أن طريقة هزيمة الإرهابيين لا تكون بشن الحروب أو بتعذيب المشتبه بهم، بل باستخدام مصادر قوة أميركا كـ «قوتها الليّنة» و «قوتها القاسية» بغية حلّ النزاع الإقليمي بشكل عادل.
وفي هذه الغضون، يبقى لنا أن نعرف ما إذا كان الرئيس بوش سيصدر عفواً، خلال أيامه الأخيرة في سدّة الرئاسة، عن المسؤولين المهمين الذين خدموا خلال ولايته الأولى والثانية بغية حمايتهم من الخضوع للمحاكمة في المستقبل. وهم بحاجة إلى حماية مماثلة لأن الدليل الذي يدينهم ويدين بوش دامغ.
واتهم تقرير صادر عن الحزبين الجمهوري والديموقراطي في مجلس الشيوخ في 11 كانون الأول (ديسمبر)، دونالد رامسفيلد وبعض الأعضاء البارزين في إدارة بوش بما في ذلك كوندوليزا رايس بأنهم مسؤولون مباشرة عن الإساءة إلى سجناء غوانتانامو وسجناء أميركيين آخرين وتعذيبهم. جاء ذلك نتيجة سنتين من التحقيقات التي أجرتها لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ بإدارة السيناتور الديموقراطي كارل ليفين والسيناتور الجمهوري جون ماكين وهو المرشح السابق للرئاسة الأميركية.
ورغم أن التقرير بقي سرياً، تمّ نشر ملخّص عنه مؤلف من 29 صفحة. وهو ينص على أن السبب الذي دفع وكالة الاستخبارات الأميركية إلى اللجوء إلى استخدام الوسائل العنيفة في «مساءلة» المشتبه فيهم الإرهابيين يكمن في قرار بوش في 7 شباط (فبراير) 2002 ومفاده أن معاهدة جنيف لا تنطبق على السجناء من حركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة». وفتح ذلك الباب على وسائل التعذيب بالماء (إغراق السجناء)، وتعريتهم وتكبيلهم في مواضع مزعجة لمدة طويلة فضلا عن «إصدار حكم قضائي استثنائي» يقضي بإرسال السجناء إلى الخارج كي يتمّ تعذيبهم في البلدان الأجنبية بالنيابة عن الولايات المتحدة.
وثمة تقرير خطير آخر من 513 صفحة لم يتمّ نشره، لكنه تم التداول به في أوساط المسؤولين البارزين في واشنطن، يدور حول فشل أميركا في إعادة إعمار العراق بعد التدمير الذي تسببت به من أجل الإطاحة بصدام حسين. وقام مكتب المحقق العام بشأن إعادة إعمار العراق الذي يديره ستيوارت بوين، وهو محام جمهوري، بإعداد هذا التقرير الذي يحمل عنوان «دروس قاسية: تجربة إعادة إعمار العراق».
وهو يُخبر قصة قاسية عن الإحباط والفشل والتخطيط السيئ فضلا عن الحرب بين الوكالات الحكومية الأميركية المختلفة وعن عدم إمكانية التقدم في إعادة الإعمار في إطار جوّ من العنف الكبير. وتمّ صرف عشرات بلايين الدولارات في محاولة إعادة الإعمار أو أُفرغت في جيوب السياسيين العراقيين ورؤساء القبائل.
وفيما يتحوّل انتباه أميركا اليوم من العراق إلى أفغانستان، هل سيتفادى الرئيس المنتخب باراك أوباما وفريقه أخطاء عهد بوش وجرائمه؟ فيجب منع ممارسة التعذيب وينبغي إغلاق سجن غوانتانامو ومنع السجن من دون إجراء محاكمة كما يجب إنهاء حرب العراق تدريجاً وسحب القوات الأميركية خلال السنتين المقبلتين.
لكن أوباما تعهّد استئصال تنظيم «القاعدة» من المناطق القبلية المجاورة للحدود الأفغانية الباكستانية. ويجب إرسال 15 إلى 20 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان في محاولة لقمع تمرد حركة «طالبان». ويبدو أن الولايات المتحدة تسمح لنفسها بأن تنجرّ إلى حرب أخرى لا يمكن الفوز بها لأنه من المستبعد أن تنجح القوة العسكرية في تحقيق «النصر» للولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي في أفغانستان.
ويعتبر معظم الخبراء أنه يمكن التوصّل إلى الاستقرار في أفغانستان من خلال عقد المفاوضات بين الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان» بغية التوصل إلى مصالحة وطنية، وعبر إشراك كلّ الدول المجاورة لأفغانستان بما في ذلك باكستان والهند والصين وآسيا الوسطى وإيران وصولاً إلى الشمال.
حاول برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي يوم الأحد الماضي القيام بمبادرة مماثلة من خلال ترؤس اجتماع في باريس لوزراء الخارجية في الدول الاقليمية. وتمت دعوة وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي إلا أنه لم يحضر. ولا شك في أنه يرغب أن يعبّر عن عدم رضا إيران إزاء الملاحظة التي أطلقها الرئيس ساركوزي عندما قال «إنه من المستحيل بالنسبة إليّ أن أسلّم على شخص تجرأ على أن يقول إنه يجب محو إسرائيل من الخريطة (وكان يعني الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد)». وما من مثل أفضل يجسد كيفية ارتباط النزاعات في الشرق الأوسط بعضها بعضاً.
وينتظر المجتمع الدولي اليوم من باراك أوباما أن يحلّ النزاع الأفغاني فضلاً عن النزاع الإسرائيلي – العربي. ومن المحزن أن تبقى هذه النزاعات موجودة بعد أربع سنوات، فتدفع ربما بشاب أفغاني أو فلسطيني غاضب إلى أن يرمي حذاءه على الرئيس أوباما الذي سيُنظر إليه على أنه قاتل شعبه عوضاً عن صانع السلام الذي يحتاجه العالم.
* كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط
"الحياة"




















