من غير المستبعد أبداً ان تكون اسرائيل فوجئت فعلاً أمس بالردّ العملاني الذي تولاه الجيش اللبناني على واقعة "روتينية" في مسار الحرب الباردة التي أرساها القرار 1701 منذ وضع حداً للحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006.
هذه المواجهة اللبنانية – الاسرائيلية يفضل ان يعاينها اللبنانيون في أبعادها ودلالاتها التي تخصهم وحدهم، دونما خلط لشعبان اللبناني برمضان الاقليمي. ففي المقام الأول هناك كلفة من الشهداء العسكريين وشهيد صحافي، هم في ذواتهم فقط شهداء الذكرى الرابعة لحرب تموز بنيران الاسرائيليين، الذين حاولوا تقزيم المواجهة والواقعة الى حدود تلفيق هو أسخف من أن يصدّق، فقالوا إنهم تعرضوا لتحرش من الجيش اللبناني.
دلالة المواجهة في التوقيت والوقائع، انها تضع اسرائيل فعلاً في مواجهة الأبعد، أي ان مشروع عدوان مقبل يجب ان يمرّ أولاً بالصدام المحتوم مع الجيش ومع الدولة اللبنانية، بصرف النظر تماماً عن الانقسام الداخلي في شأن القضايا الخلافية اللبنانية.
هذه المواجهة تزامنت، مصادفة او قصداً لا فرق، مع العيد الـ65 لتأسيس الجيش ومع الذكرى الرابعة لنهاية حرب تموز. لا جدل في ان أي مواجهة جديدة مع اسرائيل هي أمر مخيف، ولا مصلحة للبنان اطلاقاً في استدراج اي عامل يؤدي الى اشعالها. لكن لا جدل أيضاً في ان المواجهة التي حصلت أمس، يفترض ان تشكّل جرس انذار للمجتمع الدولي في شأن الاستهانة المتمادية بالعبث الاسرائيلي ليس عبر الانتهاكات اليومية للقرار 1701 وللسيادة اللبنانية بكل وجوهها فحسبب بل ايضاً عبر السلوكات العدوانية والتخريبية ذات الامتدادات الداخلية.
لقد شكل تصدي الجيش امس لهذا العبث رسالة واضحة ليس الى اسرائيل وحدها بل الى المجتمع الدولي نفسه من أن المؤسسة العسكرية التي تحظى بدعم هذا المجتمع، وهو أمر شديد الايجابية، يستدعي دعماً آخر لا يقل أهمية في ردع العبث الاسرائيلي والزام اسرائيل الكفّ عن مراكمة الاحتقانات اللبنانية المتصاعدة. ولا يخفى على احد ان هذا الانفجار المحدود على الجبهة الحدودية جاء على خلفية اعتمال المضاعفات التي يثيرها كشف شبكات التجسّس في الداخل وكذلك إمعان اسرائيل في الاعتداء الموصوف على المحكمة الخاصة بلبنان عبر انبراء اعلامها وسياسييها الى اقتحام الأزمة الناشئة في لبنان واطلاق فحيح التوظيف عليها.
مجمل هذه الأبعاد لا يبقي أدنى شك في أن اسرائيل حولت لبنان الى مقدم أولوياتها الاستهدافية في المنطقة، وانها وضعته في مرتبة العد العكسي لحرب باردة ساخنة تشنها عليه على مختلف الجبهات.
ولا يمكن والحال هذه، ان يبقى الردح الداخلي والعربي والدولي مستكيناً عند حسابات باردة تضرب الاخماس بالأسداس حيال "حرب مستبعدة". فما تفعله اسرائيل لا يستدرج سوى أمر واحد هو إيقاظ الاحتقانات المرعبة التي ربما لا تحتاج في لحظة الى أي كبسة زرّ لتودي بلبنان والمنطقة الى ما لا يريده المجتمع الدولي.
nabil.boumounsef@annahar.com.lb
"النهار"




















