بغض النظر عن كل التفاصيل التي أحاطت بالإشتباك الحدودي بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي أول من أمس، فإن ما حدث كان من الممكن أن يتحول الشرارة التي كانت ستشعل ما قد يطلق عليه تسمية "حرب لبنان الثالثة" التي كثرت السيناريوات الإسرائيلية التي تتحدث عنها.
من وجهة النظر الإسرائيلية الحادثة خطيرة ليس فقط لأنها الأولى التي يسقط فيها قتلى من الجيش الإسرائيلي منذ حرب تموز 2006، ولا لكونها أول اشتباك حقيقي مع الجيش اللبناني الذي انتشر على طول الحدود الجنوبية قبل اربع سنوات؛ وإنما لأنها حدثت في ظل وضع داخلي لبناني شديد الحساسية، وفي ظل ظرف شديد الأهمية بالنسبة لإسرائيل التي منذ النتائج الملتبسة لحرب تموز تسعى الى إسترجاع قدرتها على الردع التي يعتقد كثر في إسرائيل بأنها تضررت بفعل هذه الحرب، وتنتظر الحصول على ذريعة تمنحها الشرعية للقيام بعمل عسكري كبير ضد لبنان، بهدف القضاء على القدرة العسكرية لـ"حزب الله" الذي تتهمه إسرائيل بأنه أعاد بنائها في الأعوام الماضية، بحيث باتت أقوى وأخطر مما كانت عليه الحال قبل حرب لبنان الثانية.
وإذا كان التركيز الإسرائيلي حتى اليوم على الخطر الذي يمثله "حزب الله"، فإن العنصر الجديد الذي دخل على صورة المخاطر من لبنان هو الجيش اللبناني. وهنا تتباين التحليلات الإسرائيلية حول دور هذا الجيش وحول من يقف وراء ما حدث. فإذا كان الموقف الرسمي الإسرائيلي كما عبر عنه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هو تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية الكاملة عما جرى؛ فإن موقف وزراة الخارجية ينحو نحو اعتبار "حزب الله" هو المخطط لما يسميه المسؤولون العسكريون في إسرائيل "الكمين" الذي نصبه الجنود اللبنانيون للجنود الإسرائيليين.
أما موقف القادة العسكريين فيترجح بين الإثنين. فريق منهم وفق ما نقل المراسل العسكري لصحيفة"هآرتس" يعتقدون أن "الكمين" أُعد بصورة مسبقة من جانب الضابط المسؤول عن الموقع العسكري للجيش اللبناني، وبتشجيع من قيادته، وأن هذا الضابط كان على صلة مباشرة بقيادته عند وقوع الحادث، ولكن ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان تلقى أمراً واضحاً من القيادة بفتح النار على القوة الإسرائيلية، أم أنه فسر التعليمات وفق ما يرغبه.
هناك تحليل إسرائيلي آخر يذهب الى ما هو ابعد من ذلك، فوفق ما نقلته صحيفة "معاريف" فإن عناصر من"حزب الله" قد تسللت الى الجيش اللبناني، وأن الحزب هو من خطط لكل العملية، وإلا ما الذي يفسر وجود صحافيين ومصورين تابعين للحزب في المكان قبل وقوع الحادث.
ولكن صحيفة"هآرتس" نقلت تقديرات لمسؤولين في الجيش الإسرائيلي ترجح أن الحادثة وقعت بمبادرة من ضباط وقادة الكتيبة اللبنانية، ونتيجة لفهم خاطىء لتوجهات قيادة الجيش اللبناني التي في الآونة الأخيرة صعّدت من لهجتها المعادية لإسرائيل، وأنه ليس للحزب علاقة بالحادثة، وأن لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة كانا على علم مسبق بأوامر اطلاق النار.
وفي مطلق الأحوال، فالأكيد اليوم أن حصر اسرائيل المسؤولية بالجيش اللبناني وإستبعاد "حزب الله"، كان من العوامل التي ساهمت الى حد كبير في لجم التدهور وفي عدم تحول الحادث الحدودي الدموي الى سبب لإندلاع حرب جديدة ليست إسرائيل كما يبدو في معرض الدخول فيها الآن.
الحادثة أسست لمعادلة جديدة لأي مواجهة مقبلة بين لبنان وإسرائيل هي اعتبار اسرائيل ان الجيش اللبناني جزء لا يتجزأ من القوة العسكرية لـ"حزب الله"، وإذا كان الحزب قد نجح حتى الآن في تكبيد إسرائيل ضربات موجعة فهذا يعود الى أسلوب حرب العصابات الذي يستخدمه، أما حادثة الأمس فقد أدخلت معطيات جديدة على الوضع الهش على الحدود مع لبنان.
ومن أخطر الانعكاسات لحادثة الأمس والتي في دول أخرى قد تكون مجرد حادثة حدودية محصورة النتائج، أنها في نظر الإسرائيليين تعكس تآكل قدرة الردع الإسرائيلية، وتراجع صورة الجيش الإسرائيلي في نظر أعدائها، الأمر الذي يتطلب في نظر عدد من المعلقين الإسرائيليين تحركاً مدروساً يعيد تذكير خصوم إسرائيل بتفوقها العسكري الساحق عليهم.
"النهار"




















