من الواضح ان الاشتباك الذي وقع عند الحدود اللبنانية – الاسرائيلية كان ابن ساعته. فالجيش اللبناني لم يتخذ قراراً مسبقاً بفتح مواجهة عسكرية مع اسرائيل، وإلا لكان أبلغ مواقعه القريبة على الأقل باتخاذ اجراءات احتياطية كانت لتحول ربما دون سقوط شهداء في صفوفه، لكن الانتهاكات الاسرائيلية اليومية المتكررة للحدود والسيادة قد تكون فعلت فعلها في دفع الجنود في الموقع المحدد الى فتح النار رداً على الاستفزاز، ولإفهام الاسرائيليين بأنهم لا يستطيعون الاستمرار في خروقاتهم بدون دفع الثمن.
اما في الجانب الاسرائيلي، فكان الانتهاك متعمداً بوضوح، لا سيما ان قوات يونيفيل ابلغت الاسرائيليين بأن هناك رغبة في وقف هذا العمل في منطقة للبنان تحفظات عن ترسيم الخط الازرق الفاصل فيها، ورغم ذلك قرروا المضي في قطع الاشجار وتركيب كاميرات المراقبة، فحصل ما حصل.
والخرق الاسرائيلي متعمد ايضاً لأنه يأتي بعد قرار لبناني بدأ تنفيذه بتعزيز انتشار الجيش في المنطقة جنوب الليطاني بعد الاشكالات التي واجهتها قوات الامم المتحدة في بعض القرى، فكان استهداف الجيش بمثابة رسالة ترسم «حدوداً» يفترض الاسرائيليون ان عليه عدم تخطيها، علماً ان الدولة العبرية لم تتوقف يوماً عن جهودها لإقناع دول العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، بعدم تقديم مساعدات الى الجيش اللبناني بحجة ان الاسلحة قد تصل يوماً الى ايدي مقاتلي «حزب الله».
والاشتباك على محدوديته، يعكس اجواء التوتر المتزايدة في المنطقة كلها، مع تصاعد حديث الحرب والسيناريوات العسكرية، وتزايد التهديدات المتبادلة بين الاطراف، سواء ما تعلق منها بالنزاع العربي الاسرائيلي او بالوضع الايراني. لكنها المرة الأولى منذ عقود التي تتقدم فيها الدولة اللبنانية، ممثلة بجيشها، الى واجهة هذا النزاع، علماً ان الجيش سبق ان اشتبك مع الاسرائيليين خلال السنوات الماضية لكنه كان دوماً في حال دفاع عن النفس بعد استهدافه، ولم يسبق منذ الحرب العربية الاسرائيلية في 1948 التي شارك فيها لبنان بجيشه، ان بادر هو الى التصدي بالنار لانتهاك حدودي اسرائيلي، على الرغم من توضيح الحكومة امس انه ليس هناك اي تغيير في الاستراتيجية الدفاعية التي يتبناها الجيش.
وكانت احدى «حسنات» هذه المبادرة دفع «حزب الله» الى اعلان وضع رجاله وامكاناته في تصرف الجيش وابلاغه القيادة السياسية بذلك. لكنه موقف سرعان ما بدده الحزب مع اعلان امينه العام في اليوم نفسه انه «سيتصرف» في المرة المقبلة، وانه سيدافع عن الجيش. أي عملياً سيأخذ المبادرة منه، وبالأحرى من الدولة، واضعاً فاصلاً واضحاً بين الطرفين، ومستعيداً «قرار الحرب والسلم».
وهكذا لم يدم الوضع المثالي الذي عادت فيه الدولة اللبنانية صاحبة القرار في المنطقة الجنوبية سوى ساعات، ربما لن تتكرر. ذلك ان لـ «حزب الله» حساباته الخاصة ومواقيته الخاصة، وهو اثبت عملياً انه لن ينجر الى معركة لا يمسك بالقرار فيها ولم يخطط لها.
اما أمل عدد كبير من اللبنانيين في ان يروا يوماً دولتهم موحدة وممسكة بقرارها من دون تنازلات لعدو ولا املاءات من خارج، فيبدو في ظل المعطيات الحالية أقرب الى الوهم، لكنه وهم يستحق ان يواصلوا «تصديقه».
"الحياة"




















