هناك طرق قيمة معدودة لقياس مدى التقدم في الحرب في أفغانستان، لكن هناك مقياسا واحدا دقيقا يمكن به الحكم عليها، وهذا المقياس هو عدد جنود قوات التحالف القتلى في الحرب.
بواسطة هذا المقياس المعتمد، فان الشهر المنصرم كان شهرا كئيبا آخر للقوات الأميركية أكثر من أي شهر سبقه: 66 قتيلا. وبالنسبة للقوات البريطانية، قتل 80 جنديا حتى الآن هذا العام، مقارنة بمئة وتسعة قتلى، خلال عام 2009 برمته.
وقد احتفلت القوات البريطانية، أخيرا، بما اعتبرته مكسبا في آخر حملاتها جنوب أفغانستان، في ما سُمي عملية «تور شيزادا»، بعد تأمينها الأراضي الواقعة حول منطقة سيد آباد. لكن مكاسب مثل هذه، رغم أنها تحسب للقوات المتوغلة، فإنها أحيانا تتحقق ثم تزول، دون إعطاء الرأي العام البريطاني أي فكرة عما إذا كنا نربح الحرب أو نخسرها.
فقوات طالبان ربما تنسحب بشكل مؤقت، ثم تعيد التجمع، وليس من المرجح اعتبار هذا تقدما حاسما. الحقيقة أننا لا نكسب الحرب، والحقيقة الأكبر التي يجب أن نعترف بها، عاجلا أو آجلا، هي أنه حسب الأعراف العسكرية، فإن هذه حرب لا نصر فيها.
أحد الموضوعات الأكثر إيجابية في تصريحات رئيس الوزراء، في جولته حول العالم، هو أنه تحدث بصراحة عن انسحاب بريطاني من أفغانستان. لقد قلنا من قبل إننا يجب أن نستعد لانسحاب مرحلي ومنظم في نوفمبر المقبل، رغم أن أي جدول زمني يتوقف على الأحداث. وهذا يعني استعجال المفاوضات التي يجب أن ترافق انسحابنا، بما في ذلك القيام بما أشار به بعض القادة بالفعل: التفاوض مع طالبان مباشرة.
الإطار السياسي لهذا الصراع عُرض بشكل أكثر قسوة على الرأي العام، من خلال كلمة أخرى لديفيد كاميرون خلال أسفاره في الخارج، عندما أشار إلى أن هناك تواطؤا بين عناصر في الجيش الباكستاني وطالبان.
وربما نأسف لعدم لباقة رئيس الوزراء المذهلة في الإدلاء بهذه التصريحات في الهند، وربما هذا ما أدى إلى معظم السخط في باكستان. وربما نأسف بالدرجة نفسها لعدم اعترافه بأن باكستان تكبدت خسائر في حربها ضد التشدد وضد طالبان، أكبر مما تكبده أي طرف آخر في هذا الصراع. ومع ذلك، تحدث كاميرون صراحة عن واقع كان التطرق إليه، يتم فقط بين الخبراء والدبلوماسيين.
يبدو أن ذلك له ما يؤكده في بعض السجلات العسكرية للحرب، التي سربها موقع ويكيليكس أخيرا، وإن كان هذا لا يبرر نشر تلك الوثائق. المؤكد أنها أكدت حقائق كانت محل خلاف في السابق، مثل عدد ضحايا الحرب من المدنيين، ومن المؤكد أن أي تسريب لأي أسرار عسكرية سيُدان من قبل السلطات بوصفه تهديدا أمنيا. لكن في هذه الحالة، حيث تم تسريب الألوف من الوثائق، فإن الأمر كان أصعب على الموقع من فرز تلك الوثائق حسب خطورتها على الأفراد.
نشر هذه الوثائق عرض حياة أشخاص بعينهم للخطر، بمن فيهم أفغان تعاونوا مع قوات التحالف، ويعيشون الآن في رعب من التعرض للعقاب. نحن نؤيد بشدة الشفافية القصوى حول الشأن العام، لكن حياة الناس ثمن باهظ جدا مقابل هذا المبدأ.
الأولوية الآن يجب أن تكون لمناقشة هذه الحرب بعقلانية، وللتعامل مع الواقع البعيد جدا عن تقليل خطر الإرهاب في بريطانيا، الذي كان هدفها المعلن. فالحرب في أفغانستان، ربما عززت التشدد في الداخل بدرجة كبيرة.
ودون إنكار شجاعة القوات البريطانية وقوات التحالف في هذه الحرب، يجب أن نفكر الآن في استراتيجية سياسية للانسحاب، تسمح بالاتصال بحركة طالبان داخل أفغانستان وباكستان. معظم البريطانيين سيقبلون، وإن على مضض، وقوع ضحايا بريطانيين في حرب لها هدف صريح يمكن تحقيقه وإدراكه.. هذه الحرب ليس لها مثل هذا الهدف.
"البيان"




















