"الجريمة لا تفيد" مقولة يتداولها الناس باستمرار حين يسمعون عن جريمة أو تخطيط لها، ولكن هذه المقولة يمكن أيضًا أن تصلح كنصيحة لمن يرى أن حل مشاكله ممكن عن طريق الجريمة.
أول من يجب أن يسمع لهذه النصيحة جيدًا هم الإسرائيليون الذين يرون أن في استمرار التوتر فائدة لهم، وأن الضربات الاستباقية والانتهاك المستمر لحدود الدول المستقلة ذات السيادة يصل بإسرائيل إلى ما يريده لها متطرفوها النزاعون للعدوان باستمرار.
هذه النصيحة تعززت قيمتها، وثبتت صحتها، من خلال نموذج عربي واضح للصمود في وجه العدوان مهما اختلفت المقاييس أو موازين القوى.
كان موقف الرئيس اللبناني ميشال سليمان من الاشتباك والقصف الذي قامت به إسرائيل على العديسة الأسبوع الماضي واضحًا وصارمُا ولا لبس فيه، معلنًا حملة لتسليح جيش بلاده رغم الرفض الأميركي ـ الإسرائيلي في هذا الشأن، ورغم كل الظروف الاقتصادية والأمنية والسياسية التي يعيشها لبنان، إلا أنه يبدي عزمًا دائمًا على الخروج مرفوع الرأس من كل مواجهة تستهدف النيل من سيادته ووحدته الوطنية التي استعصت على إسرائيل رغم كل الاعتداءات والمؤامرات والمخابرات والفتن على مدى السنوات السابقة.
كلمة الرئيس اللبناني خلال زيارته للعديسة أمس تضمنت نقطتين بالغتي الأهمية في توصيف حالة الوضع الراهن في المنطقة بسبب إسرائيل، واستحالة أن يكون لهما بديل.
الأولى: ميشال سليمان شدد على أن الاستثمار في الدولة اقتصاديًّا يقتضي استثمارًا أمنيًّا بدعم الجيش وتسليحه بأحدث الأسلحة، ليكون قادرًا على حماية شعبه من (الجرائم) التي ترتكبها إسرائيل بحق لبنان بشكل تحول إلى نبأ يومي في الإعلام الإقليمي والدولي، وإلى حد أعطى انطباعًا بأن العدوان الإسرائيلي والانتهاكات المستمرة أصبح شيئًا عاديًّا لا يستحق الانتباه.
الثانية: إن ميشال سليمان أسقط الذريعة الإسرائيلية التي تروجها بعد كل انتهاك لحرمة التراب والأجواء والمياه اللبنانية، وهي مطاردة مسلحين أو البحث عن أسلحة، وأن هذا يخدم اللبنانيين أنفسهم، لكن الرئيس اللبناني كان واضحًا في قوله:
"كانوا (أي الإسرائيليين) يستفردون بالمقاومة ويقولونه إنها غير شرعية، واليوم هناك شرعية متمثلة بالجيش، وكل لبنان يقف وراء هذا الجيش، والمقاومة جزء من لبنان، ومن ثم فستكون أيضًا وراء الجيش".
وبخطاب "العديسة" تكون اللعبة الإسرائيلية المألوفة، وهي ضرب الوحدة الوطنية للبنان قد وصلت نهايتها. إنه خطاب تاريخي وقومي بامتياز سيسجله التاريخ للرئيس ميشال سليمان فضلًا عن أثره المعنوي في صفوف كل من الجيش والمقاومة اللبنانيين، وقبل كل ذلك وبعده، أن الخطاب يؤكد صحة المقولة "الجريمة لا تفيد" وإن تأخر الزمن في تقديم الأدلة على صحتها.
الوطن




















