هذا الكتاب قراءة لبعض نصوص الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844 1900) النفسية. ربما تثير الكلمة الأخيرة شيئاً غير قليل من الشك والحيرة. وربما ذكرت القارئ بالجدل الطويل الذي دار وما زال حول الفيلسوف الشاعر مؤلف "هكذا تكلم زرادشت" و"أناشيد ديونيزوس الديثرامبية"، صاحب الأسلوب المتوهج بالصور الحية والرؤى العميقة المخيفة، والعبارات البركانية المتفجرة بالغضب والشوق.
لا شك في أن نيتشه مفكر وجد في التفكير وحده كل نشوته وعذابه، وبهجته وألمه. بل إن التفكير المجرّد ليبلغ عند تلك القمة التي يصبح فيها فكراً غنياً بالصور الحية التي تليق "بفيلسوف الحياة". ويكفي أن نطّلع على فقرة واحدة مما كتب، وأن نتذكر العبارة التي قالها في كتابه الأكبر "إرادة القوة" الذي لم يقدّر له أن يتمّه: "إن الفكر هو أقوى شيء نجده في كل مستويات الحياة". والعبارة التي صرّح بها في إحدى كتاباته المتأخرة: "إن التفكير المجرّد لدى الكثيرين عناء وشقاء، أما عندي فهو الأيام المؤاتية عيد ونشوة".
علينا أن نفهم هذا المفكر اللاهب الملتهب، وأن نتعاطف معه ونجرّب أن نرى رؤاه، وبذلك نرضي مطلب الموضوعية الذي لا غنى عنه ونستجيب لدفء الوجدان الساحر الذي ينفح وجوهنا مع كل شطر من سطوره.
فرويد ونيتشه
يؤكد نيتشه في كتابه "نيتشه ضد فاغنر" أنه كلما ازدادت خبرة المرء بالنفس واتجه كعالم نفس بالفطرة والضرورة الى الحالات الاستثنائية والأنماط المختارة من البشر زاد الخطر الذي يتهدّده بالاختناق شفقة عليها.
ويشير الدكتور عبدالغفار مكاوي الى أن نيتشه، بعد شوبنهاور وفويرباخ، اكتشف أن الجسد فكرة أكثر إثارة للدهشة من فكرة النفس "العتيقة". ويقول مكاوي: "وقد لا نعدو الصواب إذا قلنا باختصار يحتّمه ضيق المقام إن هؤلاء الثلاثة قد عملوا على تحوّل الفكر الحديث من ميتافيزيقا العقل الذي انهار وخُلع عن عرشه بعد موت هيغل، الى ميتافيزيقا الجسد والإرادة والدوافع". ولعل نيتشه أن يكون أشدّهم من هذه الناحية تأثيراً على تيارات عديدة من فلسفة الحياة الى فلسفة الوجود الى علم النفس الوجودي الى الأنثروبولوجيا الفلسفية الى مدارس التحليل النفسي المختلفة.
هذا، وقد كانت لنيتشه تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على أعلام التحليل النفسي بدءاً من سيغموند فرويد (1939 ـ 1956).
يرى مكاري ان فرويد كان معاصراً لنيتشه الذي يكبره في السن بأثني عشر عاماً فحسب، وأنه اتخذ منه ومن فلسفته موقف التحفظ الذي لم يكد يتزحرح عنه.
إننا نجد فرويد يشيد بالفيلسوف شوبنهاور ويتحدث عن التطابق القوي بين التحليل النفسي وفلسفته. وهو يشهد بأن شوبنهاور لم يصرح فحسب بأولوية الانفعالية والأهمية القصوى للجنسية، وانما توصل كذلك الى نظرات نافذة في "آلية الكبت". ويستدرك فرويد حسب رأي مكاري، الذي كان فيما يبدو شديد الحرص على عدم المساس بأصالته واكتشافه للاوعي، فيقول: "لا يمكن الحديث عن اي تأثير لشوبنهاور فيه وفي بناء نظريته لأنه لم يطلع على كتابات الفيلسوف الا في وقت متأخر جداً" ولم يكن ينتظر من رجل مثل فرويد الذي عرف بثقافته واطلاعه الأدبي الواسع، ان يتجاهل معاصره نيتشه، فنجد مكاوي يقول: "يسجل في سيرته هذه الملاحظة الدالة: أما نيتشه، الذي كثيراً ما تتطابق مشاعرة ونظراته بصورة مذهلة مع النتائج المضنية للتحليل النفسي، فقد تجنبه فرويد طويلاً، ولم يكن يرجع الى السبق او الأولوية بقدر ما كان يرجع الى حرصه على المحافظة على حريته.
النزعة الأنثوية عند نيشته
اشتهر نيتشه في تاريخ الفلسفة بأنه الفيلسوف الكاره للنساء، وأقواله عنهن تعبّر عن ازدراء واحتقار. الكاتبة عطيات أبو السعود تؤكد ان هذا الفيلسوف كان جاداً أو متوهجاً في كتاباته النقدية وفي تحليلاته للقيم وإعادة تقييمها وفي مواقفه من الفلسفة والدين، لكن كتاباته عن النساء كانت سطحية وامتداداً لتراث طويل من كراهية المرأة، "ولذلك جاءت عباراته عن النساء تقليدية وتمثل جزءاً من كراهية المرأة في التراث الغربي".
لقد اتخذت المرأة في أعماله اشكالا عديدة وصوراً استعارية مختلفة وأحياناً متعارضة، كتشبيهه للحقيقة بأنها امرأة في واحد من أعماله "ما وراء الخير والشر". وفي الوقت نفسه تتحدث المرأة عن نفسها في بعض اعماله الأخرى مثل "هكذا تكلم زرادشت" كأنها الحياة، وفي مواضع اخرى من العمل تكون هي الحكمة الجميلة المخادعة.
ترى الكاتبة ان افتراض الحقيقة امرأة قد يترتب عليه، ان نيتشه ربط المرأة بموضوع من أهم موضوعات الفلسفة وهو البحث عن الأصول أو مشكلة الحقيقة، التي شغلت التفكير الفلسفي عبر عصوره الطويلة وسعى اليها الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم. وتقول ابو السعود: "لو افترضنا ان الحقيقة امرأة لكان كل الفلاسفة اغبياء لأنهم لم يستطيعوا أن يكتسبوا قلبها كما يقر نيتشه بذلك".
افتراض ان الحقيقة امرأة هي أحجية من أحجيات نيتشه الكثيرة، بحيث تظهر المرأة وكأنها الحقيقة المحجبة التي تغرينا وتعذبنا في آن واحد، ونعتقد بأنها تخفي شيئاً ما عنا وهو الحقيقة، ولكن هل المرأة تريد الحقيقة؟ يجيب نيتشه: "ان المرأة لا تريد الحقيقة، ما هي الحقيقة بالنسبة الى المرأة؟ منذ البداية لم يكن هناك شيء أبغض اليها ولا أكثر نفورا من الحقيقة".
يقدّم نيتشه في كتاب "العلم المرح" أنماطاً مختلفة من النساء من خلال علاقتهم بالرجال، تارة يصف المرأة بالبقرة الغبية" التظاهر، انها تحبه الآن وتنظر الى المستقبل في ثقة كاملة، مثل البقرة!. ان ما سحره منها كان على وجه الدقة انها بدت قابلة للتغيير بصورة مطلقة وبشكل يتعذر فهمه"، وتارة يصفها بالضعف الذي منه تستمد قوتها عندما تبالغ في اظهار ضعفها للرجل فتشعره بالحمق.
خلاصة القول، كما تعتقد أبو السعود، ان نيتشه يعبّر عن التغييرات المختلفة التي يواجهها الكائن البشري سواء كان امرأة او ورجلاً والمثيرات النفسية التي تحكم طبيعة العلاقة بينهما، ويعرض تحليلاً لسلوك ودوافع كل منهما تجاه الآخر. "لأن الرجل هو الذي يبدع صورة المرأة، وتشكل المرأة نفسها طبقاً لهذه الصورة.. ان الارادة هي خلق الرجال، والقبول هو خلق النساء"، ذلك هو القانون الذي يحكم الجنسين حسب قول نيتشه.
الجذور النيتشوية لما بعد الحداثة
اذا كانت الحداثة قد قامت على فكرة وجود تاريخ للفكر يتحرك بواسطة انبثاق تدريجي، وذلك على أساس امتلاك وإعادة امتلاك الأسس، المفهومة عادة على انها اصول مكتملة دائماً، الى حد ان الثورات النظرية والعملية في تاريخ الغرب تنصّب نفسها، وتدافع عن مشروعيتها غالباً باستخدام مصطلحات مثل "العودة" و"البعث" و"الميلاد الجديد". ويقول الباحث عصام عبد الله: "واذا كان مفهوم التجاوز الذي يحتل مكانة بالغة في الحداثة الغربية ومجمل اتجاهات الفلسفة الحديثة، يصور مجرى الفكر على أنه تطور تدريجي، حيث الجديد يتمثل القيمة بتوسط الاستعادة او الاستحواذ على الأصل والأساس، فإن هذا بالتحديد ما ينتقده نيتشه جذرياً".
يمكن اعتبار نيتشه "الأب الروحي" لما بعد الحداثة، فالمقطع (ما بعد) في عبارة ما بعد الحداثة يشير الى انسحاب يحاول ان يبتعد عن منطق التطور في الحداثة، وأن يبتعد بشكل خاص عن فكرة التجاوز النقدي الذي ينحو نحو تأسيس جديد.
لقد كان أحد المضامين الرئيسية للفلسفة في القرن التاسع عشر، قرن الصيرورة، يتمثل في نفي وجود بنى ثابتة للوجود يتحتم على الفكر ان يرجع اليها ليتأسس في صورة يقنيات لا تتزعزع. ولكن يقول عصام عبد الله "نفي ثبات الوجود هذا، لم يكن في الواقع الا نفيا جزئياً، داخل اطار الأنساق الفكرية المرتبطة بالنزعة التاريخية الميتافيزيقية في القرن التاسع عشر". فبالنسبة لهذه الانساق، فإن الوجود لا يبقى وانما يتحول تبعاً لايقاعات ضرورية تحتفظ بشيء من الثبات المثالي، الا ان نيتشه كان أول من نظر الى الوجود بشكل اكثر جذرية، في أواخر القرن التاسع عشر، ورأى ان الوجود حادث، مما يعني انه لكي نتحدث عن الوجود، يبدو حتمياً ان نفهم الى اي حد قد وصلنا مع الوجود.
"المستقبل"




















