اكتشف في العام الماضي في مياه البحر قبالة ساحل مدينة سالكومب البريطانية حطام سفينة غارقة منذ القرن السادس عشر. تحمل بعض ألواح السفينة أحرفاً باللغة العربية. كان يمكن أن تكون سفينة تجارية تحمل بضائع عربية إلى انكلترا.. أو من انكلترا إلى العالم العربي. ولكن المؤرخين البريطانيين جزموا (؟) إنها كانت سفينة قراصنة عرب من شمال أفريقيا وان مهمتها كانت اختطاف مواطنين انكليز لاستعبادهم في ما يعرف اليوم بدول المغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس وليبيا).
تزامن اكتشاف حطام السفينة مع نشر كتاب في الولايات المتحدة للمؤرخ الأميركي روبرت دافيز أستاذ التاريخ في جامعة أوهايو يقول فيه انه بين عامي 1530 و 1780 تمكن قراصنة في شمال أفريقيا من خطف واستعباد مليون و300 ألف أوروبي. وان المدن الساحلية في ايطاليا (شمالاً حتى البندقية) وفرنسا واسبانيا والبرتغال وإنكلترة وايرلندة شمالاً حتى ايسلندة، كانت مسرحاً لعمليات اختطاف الأوروبيين ومن ثم استعبادهم. أما عنوان الكتاب فقد يكون أكثر إثارة. وهو: "العبيد المسيحيون والسادة المسلمون: استعباد البيض في البحر المتوسط". من الواضح أن العنوان يحمل تحريضاً دينياً ضد المسلمين، خاصة في هذا الوقت بالذات إذ انه يتهم المسلمين تاريخياً باستعباد المسيحيين. كما أن فيه تحريضاً عنصرياً ضد العرب، إذ انه يتهم عرب جنوب المتوسط السمر باستعباد أوروبيي شمال المتوسط البيض.
ومع أن مؤرخين أوروبيين عديدين لم يستبعدوا أو لم يستغربوا أساساً نظرية اختطاف أوروبيين على يد قراصنة من شمال أفريقيا، إلا إنهم شككوا كثيراً بالرقم الذي ذكره الكاتب الأميركي. فالمؤرخ البريطاني دافيد إيرل مؤلف كتاب "حروب القراصنة " والذي يقرّ بأن الفترة الواقعة بين عامي 1580 و 1680 شهدت ذروة عمليات الاختطاف من مدن الشواطئ الأوروبية، يعتبر رقم المليون و 300 ألف مبالغاً فيه جداً. غير انه لا توجد أي وثائق يمكن الاعتماد عليها لتحديد أي رقم. والمصدر الوحيد لذلك هو التخمين !!.. ولكن يوجد في سجلات احد الأديرة البريطانية مخطوط يشير إلى أن الأسقف ديغيري سبرات وقع في اسر القراصنة الجزائريين عندما كان ينتقل بحراً من ايرلندة إلى بريطانيا، وذلك في شهر ابريل من عام 1641.
من الثابت تاريخياً أن عرب شمال أفريقيا كانوا يشنون بالفعل غارات انتقامية على الشواطئ الأوروبية المواجهة لهم بعد سقوط الأندلس، وفي أعقاب الاضطهاد الديني الذي تعرضوا له بعد سقوط غرناطة من خلال ما يعرف بمحاكم التفتيش .
ومن الثابت أيضاً أن غاراتهم كانت استمراراً لتلك الحرب ولكن بصورة مختلفة. حتى أن الولايات المتحدة ظلت تدفع لهم ضريبة مالية لعدة سنوات مقابل عدم التعرض لسفنها التجارية في المتوسط.. ثم انقلبت عليهم وأرسلت ست سفن حربية عبر مضيق جبل طارق لقتالهم (ومن هنا نشأ الأسطول الأميركي السادس) إلا إنها بعد الحرب، أو الحروب، عقدت اتفاقات ثنائية مع كل سلطة من سلطات شمال أفريقيا.
ولا تزال اسبانيا تحتل حتى اليوم مواقع في شمال المغرب مطلة على البحر المتوسط هي سبتة ومليلية وترفض الانسحاب منها بحجة أن احتلالها ضروري للدفاع عن سلامتها الوطنية وعن سلامة الملاحة في غرب المتوسط، بما يعني أن حرب الأندلس لم تنته بعد؟!
إن كتاب المؤرخ الأميركي روبرت دافيز في مضمونه وفي توقيته لا يستهدف تجريم العرب فقط باختطاف وباستعباد أوروبيين، ولكنه يحاول أن يخفف من التهمة الموجهة إلى الأوروبيين باختطاف الأفارقة إلى الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية واستعبادهم . واستناداً إلى أرقام المؤرخين الأوروبيين أنفسهم فان نسبة اختطاف الأوروبيين للأفارقة هي واحد إلى اثني عشر – حتى بموجب أرقام المؤرخ دافيز نفسه – أي انه مقابل كل أوروبي اختطف، هناك 12 أفريقياً اختُطفوا واستُعبدوا.
فالحديث عن استعباد الأوروبيين للأفارقة، حديث طويل ومخزٍ. ففي كتابها "التاريخ الحلو-المر"، تتحدث المؤرخة البريطانية اليزابيت آبوت عن عمليات الاستعباد التي جرت تحت مظلة مزارع قصب السكر في جزر الكاريبي. وتقول انه في أواسط القرن السابع عشر كانت الإمبراطوريات الفرنسية والانكليزية والهولندية تتنافس على زراعة القصب في جزر الكاريبي كما كانت تتنافس على استقدام "العبيد الأفارقة" للقيام بهذه الزراعة. وتؤكد استناداً إلى دراسات توثيقية من أرشيفات هذه الدول أن عدد الأفارقة الذين استعبدوا بلغ 11 مليون أفريقي، وان نصفهم استعبد للعمل في مزارع قصب السكر.
وتقول المؤرخة إن المستعبَدين كانوا يُجبَرون على العمل يومياً ما بين 18 و 20 ساعة، ومنهم النساء والأولاد، ولذلك كان يغلبهم النعاس وينامون بين عيدان القصب المرتفعة، ثم تروي كيف كانوا يسحقون وهم نائمون تحت عجلات الآليات التي كانت تستخدم في الزراعة وجني المحاصيل.
وتنقل المؤرخة البريطانية عن مؤرخ كاريبي أريك وليماس (رئيس أول حكومة في ترينيدا وتوباغو)، أن الاستعباد كان مظهراً من مظاهر العنصرية التي مارسها الأوروبيون البيض ضد الأفارقة.
ثم من يزعم أن عصر الاستعباد قد انتهى؟.. كان الاختطاف يجري بالمفرد، أما الآن فانه يجري بالجملة ويشمل شعوباً كاملة.
أليس الاستعمار والاحتلال ونهب الثروات استعباداً أيضاً.. ولو باسم نشر الديموقراطية والحرب على الإرهاب؟
"المستقبل"




















