ازدهر لبنان في الستينيات وقبل حربه الأهلية في السبعينيات فكان الإضاءة الجديدة أمام دول احترفت الانقلابات والتأميمات، لكنه دخل اللعبة السياسية فأغرقته مثلما غرق بقية العرب..
الغرب وأموال الصينيين جعلا تايوان في مواجهة الصين الشعبية النموذج الناجح للرأسمالية الغربية وتلتها أخرى، وجاءت كوريا الجنوبية بمعجزة انفجارها الصناعي والتقني لتكشف عن صورة جارتها الشمالية الشيوعية التي عجزت عن تأمين احتياجاتها من الغذاء..
وكانت القفزة الأهم من نصيب قطاع غربي ألماني متطور ، ونافذة إلى القوى العالمية، أمام قطاع شرقي أصبح مجرداً من حيوية الألماني الدؤوب على العمل والابتكار، ومركزاً للتجسس للمنظومة السوفياتية وحلفائها، فكان النموذج الآخر لفشل الدول المركزية الشمولية أمام دول حرة تدار ببرلمانات متقدمة وحرة..
نموذجان آخران ماليزيا وتركيا عندما وصلا إلى حقول المعرفة وبناء اقتصاد متطور ، وهضم لكلّ العرقيات والقوميات في سياق الوطن الواحد، وقد تلحق بهما أندونيسيا المرشحة الوحيدة للقفزة الجديدة للحاق بنمور آسيا وفق نموذج ديموقراطي يركض خلف المعرفة..
الآن يجري التحضير لبناء قطاع كردي في شمال العراق ليكون نموذجاً آخر أمام بقية الطوائف والقوميات والعشائر المتناحرة بمعنى أن تأهيله ليكون رقماً في المعادلة الضائعة جزء من خطط بدأت تتجه لتكوّن معماراً جديداً، في منطقة ظلت الأكثر توتراً لعدة عقود..
جنوب السودان سينفصل عن شماله، وربما تأتي الاستثمارات الغربية بما فيها الإسرائيلية وغيرها لتؤهل هذا القطاع ليس من باب المجاملة، ولكن لبناء نموذج يكون حافزاً لجبهات أخرى لأنْ تنفصل عن السودان وتأخذ نفس الدور، وهي سياسات واستراتيجيات موضوعة وخاصةً في وجود إمكانات يمكن أن توفر الانطلاقة الأولى نحو بناء دولة وشعب يغايران النظام السوداني المتعثر بمشاكله..
هذه النماذج العربية، والإسلامية والعالمية، لم يكن بقدرتها أن تتقدم أو تعيش هاجس التطور لو لم يكن هناك استعداد بشري يقبل بالتحدي، ويطرح مستقبله من خلال التزام بمعايير أسس التطور التي تُبنى من خلال التعليم والتدريب والابتكار ، وبناء مراكز البحوث وتحرير المواطن من عقدة نموذج السلطة القامع، أو مع تهذيب الكلمة، القضاء على مبادرات الإنسان وتجاوزه خطوط المحطات الواقفة بسبب تلك السياسات.
أنا كثير التفاؤل بما نعيشه الآن في المملكة، وأبني هذا التصوّر ليس على أرقام إحصائية فقط بالمصاريف التي تدفعها الدولة في بناء عام يشمل التعليم وتنويع الاقتصاد واستشراف صورة الإنسان الحديث القابل لأن يضع قدمه على درجات التطور وهي ليست مهمة سهلة، وخاصة في خلق بيئة عمل وإدارة متطورتين..
وإنما لأن مجتمعنا من الجنسين شاب، ولديه القدرة لأنْ يتطور بعيداً عن التعقيدات السياسية إذا ما اتخذ النهج الحديث في بناء الذات والمجتمع ، وتخلى عن عقده الدونية ليفجر مواهبه في كل المجالات..
الرياض




















