يقوم النظام السياسي على مؤسسات ويعمل وفق قواعد وإجراءات تُنظم التفاعلات بين أطرافه والعلاقات بين فئات المجتمع. ولذلك تُقاس فاعلية أي نظام بقدرته على استيعاب هذه العلاقات والتفاعلات. ومن بين مقاييس عدة لهذه الفاعلية يُختلف على بعضها، تكتسب أهمية خاصة قدرة النظام على احتواء التفاعلات السياسية والاجتماعية الرئيسة ضمن أطره الرسمية المشروعة. فكلما قلت التفاعلات التي تحدث خارج هذه الأطر، ازدادت فاعلية النظام السياسي. والعكس صحيح، إذ يدل ازدياد التفاعلات الأساسية التي تحدث خارجه على ضعف فاعليته. وقد يكون هذا مؤشراً في بعض الحالات الى بدء تآكله.
ويحدث هذا التآكل لعوامل أهمها على الإطلاق جمود مؤسسات النظام في الوقت الذي يشهد المجتمع تغيرات سريعة على نحو ما حدث في مصر خلال العقدين الأخيرين. فقد أنتجت التحولات الاجتماعية، التي تراكمت منذ السبعينات، الكثير من آثارها خارج أطر النظام السياسي، مثلما حدث قسم يُعتد به منها على هوامش النظام الاجتماعي، وأخذ بعضه صورة عشوائية جغرافياً وسلوكياً وقيمياً. ولذلك ظهرت آثار التحولات الاجتماعية، التي لم يستطع النظام السياسي أن يستوعبها، في حراك عشوائي ثم في احتجاجات مطلبية عفوية متناثرة ومتكاثرة منذ أن طفت هذه التحولات على السطح قبيل منتصف العقد الأول في القرن الواحد والعشرين.
واقترن ذلك بتفاعلات سياسية جديدة خارج الأطر الرسمية. وعلى رغم هشاشة هذه التفاعلات، توسع نطاقها بسبب استمرار الجمود في مؤسسات النظام التنفيذية والتشريعية والحزبية. وتشهد التفاعلات التي تحدث خارج أطره الآن تطوراً نوعياً، ليس لأهميتها أو قوتها بل لدلالتها على أن جمود المؤسسات الرسمية بلغ مبلغ الخطر.
فالحملة المنظمة الأولى من نوعها لتسويق فكرة ترشيح جمال مبارك للانتخابات الرئاسية، والتي بدأت قبل أسابيع قليلة، تحدث خارج أطر الحزب الوطني الحاكم الذي يتولى منصباً قيادياً فيه. وفيما يبدو هذا الحزب مرتبكاً، إذ ينفي بعض قادته علاقته بهذه الحملة في الوقت الذي يؤكد آخرون أنه سيكون مرشحه الوحيد للرئاسة في حال عدم ترشح الرئيس حسني مبارك لولاية سادسة، ظهرت قبل أيام حملة أخرى أكثر دلالة. وتحمل هذه الحملة اسم «الحملة الشعبية العليا لتأييد مبارك» الأب وليس الابن. ويلخص القائمون عليها هدفهم في مطالبة الرئيس مبارك بالاستمرار في الحكم تحت شعار «حملة الثلاثين مليوناً لتأييد مبارك وتكليفه من الشعب قيادة مصر في المرحلة المقبلة». وهذا هدف لا يحتاج تحقيقه إلى تحرك خارج أطر الحزب الحاكم لدعم ترشح رئيسه، إلا إذا كان الجمود أصابه بشلل حدث مثله لأحزاب المعارضة.
والحال أن الجمود الذي طال أمده ينذر بتآكل في النظام يمكن أن يلاحظه من يتأمل المشهد العام في مصر اليوم عشية الانتخابات البرلمانية، وقبل عام تقريباً على انتخابات رئاسية لا يوجد يقين في شأن مرشح الحزب الحاكم فيها، وفي غياب منافس حقيقي لهذا المرشح أياً يكن.
فقد أصبح واضحاً أن المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، الذي سطع نجمه داخلياً في الأشهر الأخيرة، لن يكون مرشحاً في انتخابات 2011 على رغم وجود «حملة شعبية» لدعم ترشحه ضمن حركات للتغيير تعمل خارج أطر النظام وتتكاثر عبر التناسل الذاتي وليس نتيجة توسع دورها.
فما هذه الحركات، كما هما الحملتان «الشعبيتان» المؤيدتان لمبارك الابن والأب، إلا عرض من أعراض جمود مقيم بات يهدد نظاماً سياسياً ضعفت قدرته على طرح خيارات واضحة بالنسبة إلى المستقبل القريب. ولذلك يتراشق المنخرطون في حملتي البرادعي ومبارك الابن بشعارات فارغة من المضمون ودالة على انحطاط اللغة السياسية من نوع «مصر بعيدة عن شنبك» و «مصر كبيرة عليك»!
وربما لم يتخيل أصحاب «سيناريو التغيير»، حين هتفوا ضد «التمديد والتوريث» قبيل انتخابات 2005 الرئاسية، إنهما سيظلان «خيارين» لا ثالث لهما فعلياً حتى الآن في انتخابات 2011. وربما لم يتصوروا أيضاً أن «التوريث»، الذي أشبعوه هجوماً بعد انتخابات 2005، سيبقى خياراً يظن أكثرهم الآن أنه قد يكون الأرجح على رغم ضعف مقوماته الموضوعية. فقد ساهم في ترويجه اهتمامهم الفائق به وتركيزهم الشديد في مهاجمته، وليس في عمل جاد لحفر مجرى للتغيير الذي يرفعون شعاره.
ويحذو حذوهم الآن، ولكن بأشكال مختلفة ودرجات متباينة، معارضون في بلدان عربية أخرى تجمدت نظمها السياسية على نحو ينذر بتآكلها في مدى زمني قد لا يطول. يطل في هذه البلاد أيضاً هاجس «التوريث»، وتُثار في بعضها قضية «التمديد»، فيما يبقى خيار «التغيير» شعاراً معلقَّاً في الهواء.
وتبدو تونس الأقرب إلى حال مصر لما بينهما من قواسم مشتركة في هيكل النظام والصلاحيات شبه المطلقة لرئيس الجمهورية والتعددية الحزبية المقيدة المحكومة من أعلى والقبضة الأمنية القوية. وتبدي المعارضة التونسية اهتماماً فائقاً الآن بقضية مستقبل النظام السياسي عموماً، ومستقبل الرئاسة والنظام الجمهوري بوجه خاص، بما في ذلك «التمديد» و «التوريث»، على رغم أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون في 2014. لكن بعض هذه المعارضة يميل إلى فتح الباب أمام «التمديد» عبر تعديل دستوري يمكّن الرئيس زين العابدين بن علي من ولاية سادسة على طريق الرئاسة مدى الحياة، باعتباره «خياراً» أفضل من توريث صهره (زوج ابنته) صخر الماطري الذي تطارده إشاعات لا تختلف كثيراً عن تلك التي لاحقت جمال مبارك، وما زالت، وخصوصاً بعد أن حصل على عضوية اللجنة المركزية لحزب التجمع الدستوري الحاكم في صيف 2008.
أما الإصلاح الديموقراطي فبعيد المنال في تونس، التي تبدو معارضتها في معظمها أكثر واقعية في شأنه مقارنة بنظيرتها المصرية التي يبشر بعضها به وكأنه قريب. وربما يعود جانب من الفرق بين الحالين إلى أن في تونس متسعاً من الوقت. فالرئيس بن علي (74 سنة) أصغر عمراً من الرئيس مبارك (82 سنة). كما أن الانتخابات الرئاسية التونسية سيحل موعدها بعد أربع سنوات، وهي فترة طويلة مقارنة بمصر التي لم يبق على الاستحقاق الرئاسي فيها إلا عام واحد. ولذلك تبدو المشكلة في مصر أكثر إلحاحاً. لكنها في تونس، وأكثر من بلد عربي آخر، ليست أقل خطراً. فالاختلالات الناجمة عن استمرار الجمود في النظام السياسي تتراكم، وإن بقي معظمها تحت السطح.
وما هي إلا سنوات قليلة حتى تطفو وتفعل بطريقة أو بأخرى فعلها الذي لا يستطيع النظام السياسي الجامد أن يستوعبه، فيصبح هذا النظام معرضاً إلى تآكل.
"الحياة"




















