حرب المناخ المستمرة والمتصاعدة، ليست بعيدة عما اقترفته أيدي البشر، فعند الوقوف على الأسباب، نحدد في مقدمتها التغيرات المناخية الناجمة عن الانبعاث الكثيف لغاز ثاني أوكسيد الكربون، والذي بلغ حد الجنون في السباق الصناعي العالمي، المبني على الربحية دون إقامة أي وزن لما يخلفه ذاك الجنون من أثر على مصير الحياة على الأرض، ولا أحد اليوم يدعي أنه يدق ناقوس الخطر بهذا الشأن، فقد دق ناقوس الخطر منذ عقود، واليوم نعيش في خضم الكارثة، وحتى سؤال ما العمل بات من الأسئلة القديمة، فهناك العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات العالمية ظلت حبرا على ورق، وما يزيد في أزمة الضمير العالمي حيال المناخ، هو استنكاف العالم عن تطوير تلك الاتفاقيات ووصول قمة كوبنهاغن في العام المنصرم إلى طريق شبه مسدود، فجاءت كوارث عام 2010 لتفاقم تلك الأزمة، وتوضح أن الذين كانوا يحذرون منها لم تكن هوايتهم كتابة الشعر بالبيئة، حيث كان قادة العالم ينظرون إلى دعاة حماية البيئة على أنهم أناس مترفون، بينما كان بعضهم الأخر في العالم ممن كانوا يجهلون مخاطر التغيرات العالمية يقولون ما بال هؤلاء؟!
فبين غريق وحريق ومشرد وجائع، عاشت كل من باكستان وروسيا والهند والصين أثار التغيرات المناخية، وهذه الكوارث لم تكن البداية ولكن كلنا أمل أن تكون النهاية ولا تتكرر، وأن تشكل صحوة حقيقية للضمير العالمي، فمن لم تحرك مشاعرهم "قصائد الشعر التي كتبها أنصار البيئة" نأمل أن تكون قد حركتها الأرقام، أرقام الضحايا والمتضررين من تلك الكوارث، فهؤلاء ليس مجرد أرقام بل هم بشر مثلنا لهم أسر، وكانوا يأكلون الطعام ويسيرون في الأسواق، ويعملون ويتواعدون وينتظرون أبنائهم وآبائهم وأمهاتهم على موائد الطعام، فاليوم باتوا بلا مأوى وبلا مائدة وربما حرمتهم الكارثة عزيزا، وغابت الكثير من تفاصيل الحياة، وربما نسي هؤلاء أنهم في يوم من الأيام كانوا يلبسون ثيابا مكوية، وفجأة نقلتهم الكارثة من أسئلة الرفاهية إلى سؤال أين ولدي ..أين أمي.. وأبي… بل أين أنا إنها الحرب إنها الكارثة؟!
ورغم كل ما أسلفنا وفي علم الربح الفاحش، وفي عالم الأرقام الذي راح يتلاشى معه البعد الإنساني، لا بد من الحديث بلغة الأرقام علها تجدي نفعا، ففي باكستان حصدت الفيضانات آلاف الأرواح وخلفت أكثر من 15 مليون مشرد باتوا اليوم بلا مأوى، حتى بلغت أعمال الإغاثة حد اليأس، ناهيك عن الخسائر المادية دمار البنى التحتية، وقد وصفت الكارثة بأنها أسوء من الزلازل الذي ضرب البلاد عام 2005، وقد سجلت أعمال الإغاثة فشلا في الوصول إلى حوالي 50% من المتضررين، وقالت الأمم المتحدة أنها أسست صندوق طوارئ لباكستان وتلقت 10 ملايين دولار حتى الآن، بينما تلقت منظمات الأمم المتحدة 16 مليون دولار أخرى لمواصلة عملياتها،وأشارت إلى أن هذه الاستجابة ليست كافية وأن الأمم المتحدة ستطلق قريبا نداءا لتلبية الاحتياجات الفورية مثل المأوى والطعام والمياه والرعاية الصحية وغيرها وقد يصل المبلغ المطلوب إلى 200 مليون دولار أو أكثر.
في حين أعلنت روسيا حالة الطوارئ بسبب الحرائق التي اندلعت نتيجة موجة الحر الشديد، حيث اندلعت الحرائق في 14 إقليما روسيا نتيجة اشتعال طبقات من الفحم النباتي تحت سطح الأرض، في حين راح ضحيتها أكثر من 50 شخصا وشرد الآلاف، وبلغت الخسائر المادية 150 مليون دولار، وشارك في إخماد تلك الحرائق أكثر من 240 آلف شخص، كما شهد شمال غرب الصين موجة جديدة من الفيضانات راح ضحيتها المئات، ليرتفع بذلك عدد ضحايا الفيضانات فيها إلى نحو آلف شخص، وتجاوز عدد المنكوبين 250 آلف، ناهيك عن الخسائر المادية وقدرت بقيمة 26 مليون دولار، وهذا نموذج مما أصاب العالم من كوارث في السنوات الأخيرة، بسبب التغيرات المناخية وتكون النتيجة مرعبة فيما لو أضفنا إلى ذلك عدد ضحايا الزلازل المدمرة.
ومن المحزن أن نرى العالم يعيش اليوم تحت وطأة تلك الكوارث، رغم تنبئه المبكر لخطورة ظاهرة الاحتباس الحراري، ورغم عدد المؤتمرات التي عقدت بغرض الحد من انبعاث الغازات التي تزيد خطورة الموقف، فكانت البداية في مؤتمر ستوكهولم عام 1972، وتلاه قمة الأرض في ريودي جانيرو عام 1992 حيث وقعت اتفاقية التغير المناخي بحضور 172 رئيس دولة، وأقرت ضرورة الحفاظ على نسب ثابتة لغازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي. وقد أكدت الاتفاقية أن العبء الأكبر من الانبعاث يقع علي عاتق الدول المتقدمة, وتضمنت تعهدات مالية وفنية متعلقة بنقل التكنولوجيا للدول النامية لمساعدتها علي التعامل مع تأثيرات التغيرات المناخية، ليأتي بعد ذلك برتوكول كيوتو عام 1997، علاوة عن جملة من الاتفاقيات تتعلق بتلوث المحيطات، التصحر، الإضرار بطبقة الأوزون، انقراض بعض الكائنات الحيوانية والنباتية، وأبرزها بروتوكول مونتريال حول حماية طبقة الأوزون، وصولا إلى قمة كوبنهاجن في ديسمبر 2009 ، والتي شهدت مفاوضات صعبة بهدف التوصل إلى اتفاق عالمي جديد لحماية البيئة من مخاطر التغيرات المناخية كبديل لبرتوكول كيوتو، إلا أن تلك المفاوضات لم ترق إلى مستوى الخطر المحدق بالعالم وكذلك النتائج، وتظل أرواح ضحايا المناخ لعام 2010 معلقة بين السماء والأرض، تناشد الضمير العالمي منح الأجيال القادمة حق الحياة.
"المستقبل"




















