( قائد سابق لسلاح الجو)
في العاشر من أيار 1981، انشغل طيارو سلاح الجو بالتحضيرات الأخيرة للإقلاع بغية مهاجمة المفاعل النووي العراقي. لكن رئيس الحكومة ووزير الدفاع قررا حينها إلغاء المهمة. فقد وصل إلى يد بيغن رسالة من رئيس المعارضة شمعون بيرس، الذي تحفظ على العملية. وقد اعتقد بيغن، أنه إذا كان خبر الهجوم تسرب إلى بيرس، فمن شأنه أن يصل أيضا إلى العدو. وكان هناك تاريخ آخر محتمل لشن الهجوم في 31 أيار، لكن بما أنه كان من المفترض أن تُعقد قمة بيغن-السادات في شرم الشيخ بتاريخ الرابع من حزيران، تم إرجاء العملية إلى السابع منه بغية عدم المس بالقمة. وقد استخدم بيغن صلاحياته عند حافة تنفيذ العملية العسكرية، من أجل اتخاذ القرار حول تنفيذها.
في شهادته أمام لجنة تيركل، تحدث وزير الدفاع ايهود باراك، عن الفارق بين " ماذا" التي يحددها المستوى السياسي، وبين " كيف" المتروكة للمستوى العسكري. في الواقع، حتى اليوم لم يُعثر على صيغة تعرف بشكل مناسب العلاقات بين المستويين. فمن خلال تعريف مصطلحي " ماذا" و " كيف" ثمة محاولة لمد خط فاصل واضح بين السلطتين، لكن السؤال المهم يختبئ بالتحديد في مجالات التماس بينهما.
العمليات العسكرية تحصل لإتمام خطوة سياسية، لتعبيد الطريق أحيانا أمامها، ولتحل محلها أحيانا أُخرى. لذلك يتعين أولا الإجابة على سؤال " لماذا". بمعنى، هل ثمة سبب للعملية العسكرية. بعد ذلك نتوجه إلى سؤال " ماذا" ننفذ: عملية ثأر؟ سيطرة على الأرض؟ والمرحلة التالية هي " كيف"، أي ما هو شكل التنفيذ من الناحية العسكرية. عندما يتم تحديد طرق العملية (" ماذا") و طريقة التنفيذ (" كيف")، يدرسون ويقررون " هل" يتم التنفيذ. هذا حوار متواصل يتغذى خلاله أصحاب القرارات من بعضهم، فيما مركز الثقل ومقدار التأثير ينتقلان من طرف إلى طرف.
في مرحلة أل " لماذا"، يكون مركز الثقل لدى المستوى السياسي. القرار يتعلق فقط بما إذا كان يتعين مواصلة العملية. في مرحلة أل " ماذا" يجري حوار متوازن بين الأطراف، الذي حتى وإن جرى على أساس خطط عملانية جاهزة، إلا أنه ثمة مكان دوما للتغييرات بما يتلاءم مع المستجدات. وفيما ينشغل الطاقم المشترك في مسألة " ماذا"، يتعمق المستوى العسكري في مسألة " كيف". وهذا هو الوقت الذي يتم فيه تجميع المعلومات، الغوص إلى أعماق التفاصيل والبحث في البدائل. بقدر ما يتم التعمق في الإعداد ل " كيف"، يجري البحث على أساس معطيات أوسع، ولذلك يعود ليؤثر على النقاش في مسألة " ماذا".
حتى اللحظة الأخيرة لا يتم حسم مسألة " هل" تتم العملية. في هذه المرحلة ثمة للمستويين مسؤولية وصلاحية حول " هل" يتم التنفيذ. المستوى العسكري يحسم موقفه بناء إلى الظروف العملانية السائدة فعليا، والمستوى السياسي وفقا لظروف سياسية وغير سياسية. في هذه المرحلة الحاسمة ينتقل مركز الثقل إلى المستوى السياسي. فهذا المستوى هو صاحب الكلمة الأخيرة.
ثمة مجالات تماس كثيرة بين المستوى السياسي والمستوى العسكري. إلى حد كبير، المسؤولية جماعية، وعلى الرغم من ذلك ستكون هناك حالات يتم فيها العثور على متهم بالفشل من داخل المجموعة، بحيث لا يكون مناسبا لمواصلة أداء مهامه. من الأفضل توضيح توزيع المسؤولية، تحديد الصلاحيات وسيرورات العمل بين المستوى السياسي والمستوى العسكري في إسرائيل، على أن لا يحصل ذلك فقط في ظل لجان التحقيق التي تبحث عمن تتهمه.
("هآرتس" 18/8/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















