يستضيف " رأي الرأي " هذا الأسبوع الشاعر أدونيس
النزعة المثلية في الثقافة العربية تناسل كأنها الواحد الديني ، أو الواحد الأيديولوجي .
المثلية التي تقول لك : استسلم ، تكيف . ولك أن تتحرك ، لكن داخل سلاسل النظام كائناً عجينياً .
المثلية التي تحاصرك : تقدر أن تعيش ، وأن تنعم ، وأن تثري ، وأن تكون " إنساناً " ، لكن بشرط واحد : أن لا تكون أنت أنت ، بل أن تنخلع من نفسك .
تنهض النزعة المثلية على ثلاثة أسس :
الأول ، هو الاستلاب الوظيفي . وهذا يجعل الكتابة تنطلق من مسلمات وأوليات . من هنا ، نجد أن الكثرة الغالبة من الكتاب العرب وظيفيون : لا يكتبون أو يفكرون بقدر ما يدعون ويبشرون ، ولا يبحثون أو يتساءلون بقدر ما يدافعون ويسوغون . إنهم جميعاً ينشرون ثقافة الدعاوة والإعلام ، أي ثقافة الحجب والتمويه ، وبمعنى آخر ، ثقافة القمع .
ويصدر كل من هؤلاء عن موقف يزعم أنه يمتلك الحقيقة ، لذلك يصدر عن موقف مغلق واتهامي ، يدين الآخر أو ينفيه .
ومثل هذه الثقافة نفي للثقافة .
الثاني ، هو استلاب التبعية للنظام . وللنظام هيمنة ثقافية شبه شاملة ، بحيث أنه يستوعب الكتاب ، تحييداً أو تدجيناً . ولهذه الهيمنة أشكال عديدة ، عملية ونظرية .
بين أبرز الأشكال العملية تأسيس مجلات خاصة يرصد لها النظام أموالاً ضخمة ( أو استيعاب مجلات قائمة ) تلعب دوراً إغرائياً في التدجين والاستتباع ، يكاد أن يكتسب غالبية العاملين في الثقافة اليوم . يضاف إلى ذلك تضييقه على المجلات التي لا ترتبط به ، ويبلغ هذا التضييق حد الاختناق ، لأنه يحصرها في إطار توزيعي ضيق ، ولأنها تجابه منافسة لا قدرة لها عليها ، مالياً .
أما على الصعيد النظري ، فإن النظام يقونن الثقافة ، أي يعامل النص الكتابي ، قانونياً ، كما يعامل المجرم . ولا ينظر في هذه القوننة ، إلى الأفكار المختلفة على أنها وجهات نظر متباينة ، إنما ينظر إليها كأنها انحراف أو خيانة . وهذا نظر يبطل الفكر ، ويؤسس الشرطية .
هكذا ، لو أخذنا ، على سبيل المثال ، تهم الانحراف أو الخيانة التي تبادلها الكتاب العرب ، منذ الخمسينيات حتى اليوم ، مأخذ الجد ، لرأينا أن معظم العرب الذين يمارسون الكتابة ليسوا إلا خونة ، ولرأينا بالتالي ان الكلام العربي يسبح في محيط من الخيانة .
الثالث ، هو استلاب الكاتب إزاء نفسه ودوره . أي خيانته لمعنى الكتابة . إننا نجد بينهم من حرض ويحرض على الكاتب الآخر ، المختلف ، ومن سكت أو يسكت على اضطهاده ، ومن سوغ ويسوغ قمعه أو سجنه ، ومن كتب التقارير ويكتبها ضده ، ومن راقب ومنع ويراقب ويمنع ما يكتبه وينشره ، ومن شارك ويشارك في تشويه ما بقي من الحركة الإبداعية الكتابية في الثقافة العربية .
- فصل من كتاب " النظام والكلام " للشاعر أدونيس .




















