في لبنان لا أحد يعرف لماذا يُطرَح موضوع معيَّن، ويُصبح التعاطي معه وكأنه الحدث أو القدر الذي لا قدرة أو لا إمكانية للخروج منه!
مثال على ذلك، أنه فجأة ومن دون سابق إنذار، تُطرَح في سوق التداول مسألة تغيير الحكومة، لا أحد في لبنان يكون يتحدَّث في هذا الموضوع، فمن أين يأتي هذا الوحي للبدء بالتداول به؟
كيف يصير العنوان الرئيسي في وسائل الإعلام؟
وكيف يتحوَّل إلى المادة الرئيسية في تصريحات بعض السياسيين؟
حين تستفحل المسألة، لا يُكلِّف أحدٌ نفسه ليعود قليلاً إلى الوراء، ليتأكد من أن كل المسألة هي مجرد بالون إختبار يُطلَق، إما للزكزكة، وإما لمعرفة ردة الفعل عليها، وإما لأحداثِ بلبلة في صفوف الرأي العام وفي الإدارة السياسية للبلد، فما هي حقيقة الموضوع؟
ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
وما هي آفاق هذا الطرح؟
لعل البعض ممن يتحمَّسون لمثل هذا الطرح سها عن بالهم حقيقة صعوبة تشكيل أي حكومة جديدة في ظلِّ أوضاع طبيعية، فكيف إذا كانت الأوضاع إستثنائية كالتي نمر بها؟
لنتذكَّر معاً:
إثر إنتهاء الإنتخابات النيابية في حزيران من العام 2009، نالت قوى 14 آذار ما يفوق السبعين نائباً، وترأس النائب سعد الحريري أكبر كتلة نيابية في تاريخ لبنان، كما أن الإستشارات النيابية الملزمة للتكليف أعطته أكبر عدد من الأصوات.
كل هذه المعطيات لم تفلح في جعل ولادة الحكومة سهلة أو ميسَّرة، مرَّ الصيف بكامله من دون التوصل إلى تشكيل الحكومة، ولم يتحقق الأمر إلا بعد القبول بتوزير الراسبين وبالتسليم ضمناً بالثلث المعطِّل.
مرَّ القطوع الأول، لكن هذا لم يكن يعني أن الحكومة أقلعت إذ بقي أمامها لغم الإتفاق على البيان الوزاري الذي إستهلك من الوقت بمقدار ما إستهلكت عملية التشكيل، وهكذا بين القطوعَيْن تأخَّرت الحكومة لكي تُقلِع ما يزيد عن الستة أشهر، فهل يُدرِك طارحو تغيير الحكومة أيَّ نفق يمكن أن يُدخِلوا البلاد فيه من جرَّاء هذا الطرح؟
ثم هناك مسألة أخرى تتعلّق بالأداء الوزاري وبالانتاجية، فإذا كان حديث التغيير الحكومي سيبدأ منذ الآن فما هو مصير المشاريع التي تطرحها هذه الحكومة؟
ألا يتباطأ الوزراء في طرحها في هذه الحال؟
إن التعويل على صدور موقف رسمي يضع حداً لهذه التأويلات التي تتسبَّب بالبلبلة أكثر مما تؤدي إلى إراحة الوضع، ليُقلِع مروِّجو الإشاعات عن إطلاق كل ما من شأنه الإضرار بالبلد الذي يكفيه ما لحق به من مآسٍ وأضرار.
الانوار




















