لا يبدو العالم العربي قادراً حتى اللحظة الراهنة على الخروج من انسداداته السياسية والاقتصادية والمجتمعية؛ والواقع المأزوم في بيئات غير مؤهلة بفعل مكوِّناتها الداخلية على التحديث، يطرح أسئلة معقدة، يتداخل فيها المحلي مع الاقليمي مع الدولي، ورغم أن للسياسات الاميركية سطوتها على مستوى الاضطراب الشرق أوسطي، لكن المعطيات البنيوية تمارس دورها في تفعيل الأزمات. وإذا كان العجز في بناء الدولة الحديثة يعتبر المدماك لمآزق العربي، فهو بدوره يولّد ظاهرتين أساسيتين: أولها، أن غياب مقومات الدولة سيدفع العناصر ما قبل الدولتية الى البروز على السطح؛ ثانيها، تعرض هذه الدول الى ضغوط خارجية بسبب غياب استراتيجيا واضحة، مما يرشحها لمزيد من الاختراق، والملاحظ تبعاً لذلك وجود سمة مشتركة تجتاح العرب من المحيط الى الخليج، تتمظهر في إقصاء مقومات الدولة مقابل حضور العنف، فهل يمكن الحديث عن نمط من العنف العربي؟ وما معنى إسشتراء العنف في المجال العربي/ الإسلامي؟
في تقرير صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، تحت عنوان "حال الأمة العربية 2009-2010 النهضة أو السقوط" رصد لأوضاع العالم العربي، شارك فيه عدد من الباحثين، درسوا نماذج مختلفة، بدءاً بالقضية الفلسطينية والعراق، مروراً باليمن والسودان وصولاً الى الصومال ولبنان؛ فما هو الجامع المشترك بين هذه النماذج؟ وهل الأزمات الداخلية في ما يتعدى البعد الاقليمي تقدم جواباً لسياقات النهضة او السقوط؟ أم أن لفوضى السياسات الدولية فعاليتها الأنجع؟ وهل يمتلك العرب مشروعاً نهضوياً موحداً؟ الإشكاليات المطروحة دُرست في أكثر من موضع، وإن بدت أحياناً غير متكاملة لجهة الاحاطة بالظاهرة المدروسة عبر بنائها ككل، فالدراسات تطرقت الى مآشير شديدة التشابك، يمكن إيجازها بثلاثة متغيرات: عجز النظام العربي، الحضور التركي اللافت في قضايا المنطقة، الملف النووي الإيراني وتداعياته.
من العام الى الخاص يقدم التقرير نتائجه على مستويات مختلفة، مستهلاً همه النهضوي في معالجة موقع العرب من النظام العالمي، الناهض على أشلاء الأحادية الاميركية، بعد أن خسر العملاق السوفياتي رهاناته؛ فالثنائية أدت الى التفرد، والأحادية أنتجت التعددية القطبية، فأين موقع العرب منها؟ إذا قاربنا "حال الأمة"، المتهمة بأنها خارج التاريخ، لأسباب داخلية، وأخرى تتعلق بقدرتها على صناعة القرار العالمي، على وقع التشرذم والخلافات التي قسمتها الى معسكرين متناقضين، معكسر الاعتدال، ومعسكر الممانعة، لادركنا نقاط الضعف في الجسد العربي، والذي يفاقم من الشلل الحاصل، عوامل التذرير التي تفعل فعلها في أكثر من مكان، ورغم التحديات التي يواجهها العالم المعاصر، بقيت "الأمة" في وضعية المتلقي وليس الفاعل، وفي هذا السياق تطرقت الورقة الأولى الى المتغيرات الدولية وموقع العالم العربي منها.
تحت تساؤل فرعي " النشاط الاقليمي لإيران ردّ فعل تكتيكي أم اتجاه استراتيجي؟" تتناول الورقة الثانية، النفوذ الإيراني ومؤثراته على كل من لبنان والعراق واليمن، فصحيح أن للثورة الاسلامية نفوذها في مجال حيوي كثيف الحِراك، مما أعطاها قدرة على الرهان، عبر الشيعية السياسية واستنهاض المستضعفين وفقاً للادبيات الخمينية، لكن طهران تقع في تحدٍ داخلي ظهر للعيان إثر الانتخابات الرئاسية عام 2009، خصوصاً بعد ان تداعى الجدل حول سلطة ولاية الفقيه للمرة الأولى، فجاء الرد بالعنف الثوري في الداخل وخارج الحدود.
الصحوة العثمانية شكلت احدى أهم المعطيات الجديدة الطارئة على البانوراما العربية؛ فالاردوغانية قدمت نفسها في المشهد الاقليمي كقوة فاعلة، إن لناحية احتضانها للقضية الفلسطينية وتوتر علاقتها مع إسرائيل، وإن لجهة تبنيها لقضايا العرب وهمومهم التاريخية. لكن الدراسة التي طالت هذه المسألة، لم تقم قراءة في عمق المشهد التركي، واكتفت بالعرض دون مقاربة المؤشرات الأساسية التي دفعت أنقرة للعودة الى خاصرتها الشرقية، كل ذلك يرافقه فراغ اقليمي عززه أربعة تحولات: تراجع العرب الكبار، أي مصر والاردن والسعودية؛ عدم وجود رؤية سياسية موحدة بين الدول العربية أقله منذ نكسة الناصرية؛ فوضى التوجهات الاميركية في الشرق الاوسط، تصاعد دعوات التجزئة على إيقاع الهويات الطائفية والعرقية والمذهبية والاثنية. فأين هو التطور الديمقراطي من هذا الاستعصاء؟ ولماذا تتحكم سلطة الرجل الواحد بالمتعدد؟
خمس خصائص يطالها التقرير في تتبعه للتطور الديمقراطي في العالم العربي، احتدام الجدل الدائر حول التوريث، تعمق أزمة النخب المؤسسية، استشراء الفساد السياسي، انتشار العنف الديني، الجدل حول العلاقة بين السلطات وداخلها. بعد قراءة الخصائص المشار اليها، يخلص التقرير الى نتيجة مفادها، أن الديمقراطية تحتاج الى ثقافة سياسية ومؤسسات داعمة لها، مما يستدعي تفكيك النماذج التسلطية، التي تبدي ممانعة لعقل الدولة وللتعددية، مع العلم أن للذهنية القبلية والطائفية سلطة لا تقل ضراوة عن استبداد الحاكم.
القسم الثاني من التقرير يعالج الأزمات الداخلية العربية عبر خمسة نماذج، العراق واليمن ولبنان والصومال والسودان والقضية الفلسطينية؛ ويؤرخ لأهم الاحداث التي وقعت خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 حتى الثلث الأول من العام 2010، ويخرج بأهم السمات المشتركة في ما بينها، لا سيما في الحالتين العراقية واللبنانية، تصاعد الخطاب الطائفي، والصراع بين القوى السياسية، ودخول العامل الاقليمي على مستوى الأزمة.
"حال الأمة العربية النهضة أو السقوط"، عنوان اشكالي لواقع معقد، قائم على ثلاثة ركائز مدمرة، غياب عقل الدولة، تنامي اتجاهات التجزئة، كثافة العنف الديني؛ والحال ألا يعني ذلك أن العرب عاجزون عن مجاراة التاريخ؟ الوقائع تشير الى صوابية الطرح، ولعل حجم الانغلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والتواصلية، مدلولات لا يمكن التنكر لها، دون أن نندفع الى تبني ما اجترحه ادونيس حين اعتبر، "أن الحضارة العربية في طور الانقراض، بعد أن فقدت حضورها الخلاّق في الثقافة الحديثة الكونية".
[ الكتاب: حال الأمة العربية 2009 2010 النهضة أو السقوط
[ الكاتب: مجموعة من المؤلفين
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2010
"المستقبل"




















