شكل البيان الأخير للجنة الرباعية السلم الذي هبطت عليه السلطة الفلسطينية من شجرة شروط الموافقة على معاودة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في الثاني من الشهر المقبل. لكن الهبوط من هذه الشجرة لا يعني أن سبل نجاح هذه المفاوضات باتت مضمونة. إذ إن الإدارة الأميركية، على لسان وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون، أطلقت رصاصة الرحمة على المفاوضات قبل أن تبدأ بتشديدها على استبعاد الشروط المسبقة، أي المطالب الفلسطينية، من هذه المفاوضات.
ولا أحد يراهن فعلاً على أن تكون هذه المفاوضات، في ظروفها وشروطها وميزان القوى الذي يسودها، سبيلاً الى السلام بتحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967.
وباستثناء الحملة الدعائية والعلاقات العامة التي استبق بها بنيامين نتانياهو المفاوضات، تظهر تعليقات الأطراف تواضع الأهداف، إن لم يكن انعدامها.
والسؤال هنا يتعلق بدوافع السلطة في قبول الذهاب الى هذه المفاوضات، ما دامت تعرف مسبقاً أنها طبخة بحص. لكن هل تملك السلطة ترف الرفض، في ظل الوضع العربي والإقليمي الحالي؟
لا خيارات كثيرة أمام السلطة التي تزداد ضعفاً، في معادلة التفاوض مع إسرائيل، مع ازدياد سوء الوضع العربي، أو بعبارة أدق مع ازدياد تضارب مصالح القوى العربية والإقليمية في عملية التفاوض برمتها.
لقد ذهب العرب الى مفاوضات مدريد، بعد حرب تحرير الكويت التي ساهموا فيها، بعدما جمعتهم المصلحة المشتركة في إضعاف العراق ونظامه آنذاك. وفاوضوا إسرائيل لسنوات على أساس الأرض في مقابل السلام. واليوم لا يصعب الاستنتاج أن الأرض لم تعد وأن السلام لم يتحقق. لكنهم فاوضوا لأن مصلحة سياسية تحققت من هذه المفاوضات.
وينطبق هذا الأمر اليوم على حال تشرذم الفلسطينيين الذين يزيد وضعهم ضعفاً. لقد بات واضحاً أن انشقاق قطاع غزة وسيطرة «حماس» عليه بالقوة المسلحة، لا يظهر فقط شهية هذه الحركة الى السلطة فحسب، وانما يظهر أيضاً أن حصيلة الموقف العربي من القضية الفلسطينية هو إبقاء السلطة ضعيفة وقراراتها مرتهنة للاعتبارات السياسية وليس لاعتبارات الحل السلمي. وقد يكون الأكثر انتقاداً لمعاودة المفاوضات المباشرة اليوم هم الأكثر فرحاً بها. لأنها توفر لهم أداة جديدة في التعبئة، وفي اتهام السلطة ومنظمة التحرير بالتفريط.
واليوم، يتجه الوضع العربي والإقليمي الى مزيد من التأزم وتعارض القوى داخله. فهو مرشح، مع التصعيد الحاصل حول إيران، الى مزيد من التمزق، خصوصاً أن التوقعات تتحدث عن إمكان مواجهة إيرانية – إسرائيلية، وربما أميركية. مع كل ما ينطوي عليه من أخطار توسع رقعة المواجهة التي ستكون المنطقة العربية أحد مسارحها. ولهذا السبب، يشكل الانشقاق (الضعف) الفلسطيني إحدى أدوات هذه المواجهة، ما دامت «حماس» تعتبر نفسها، مثل حلفاء إيران الآخرين في المنطقة، طرفاً في المعركة المقبلة.
كان يمكن للسلطة الفلسطينية رفض المفاوضات المباشرة، بشروطها الحالية، لو توافر لها إجماع المصلحة العربية والإقليمية. وكان يمكن أن تكون مشاركتها ذات فعالية أكثر، وربما منتجة أكثر، لو توافر لها إجماع هذه المصلحة.
لكن، لا الرفض في الوضع الحالي كان سيضمن إمكان التقدم في اتجاه الهدف الفلسطيني ولا المشاركة ستضمن هذا الهدف. بعدما باتت هذه المفاوضات أو عدمها تخضع لاعتبارات خارجة عن القضية الفلسطينية، سواء بالنسبة الى الإدارة الأميركية أو بالنسبة الى الوضع العربي، وبالتأكيد بالنسبة الى إسرائيل.
"الحياة"




















