بشكل عام، يُعتبر المبعوث الخاص للرئيس براك اوباما، جورج ميتشل، رجلاً حذراً، دقيقاً. حتى عندما حاول أن يشرح يوم الجمعة الخطوة التي اتخذتها ادارة اوباما للمحادثات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين – محادثات ستبدأ بعد عشرة ايام في واشنطن، صاغ حديثه بحذر. ومع ذلك، لم يكن دوما دقيقا. لماذا الان بالذات، سألوه، لماذا ليس قبل ثلاثة ايام أو بعد ثلاثة أيام. ما الذي حصل بالضبط فأتاح المحادثات في هذا الموعد؟ جوابه: "الاطراف اعترفت في أن هذا هو الوقت الصحيح". هكذا قال، بالجمع، "الاطراف". لو انه قال "احد الاطراف" لكان هذا اكثر دقة. وذلك لان الطرف الوحيد الذي وصل الى الاعتراف بان هذا هو الوقت "الصحيح" هو الطرف الامريكي. طرف ميتشل، طرف اوباما. الطرف الذي ساعة ضبط الوقت خاصته ليس شرق اوسطية.
ينبغي التعلل بالامل في أن تنجح المحادثات المباشرة… ومع ذلك يجدر العجب: لاي غرض تفترض ادارة اوباما بان هذا هو "الوقت الصحيح" لماذا يتحد الإسرائيليون والفلسطينيون، اليسار واليمين، محبو السلام وقارعو طبول النزاع – لماذا الجميع متحدون في موقفهم في أن الاحتمال طفيف جدا، والادارة مرة اخرى تصر على ان تفرض عليهم جدولها الزمني؟
السنتان اللتان مرتا منذ بداية عهد اوباما لا تعطيان سببا يبرر آمالا جسام. فقد بدأ اوباما ولايته بتعيين سريع لميتشل في منصبه وبعد ذلك تصدر المواجهة مع حكومة إسرائيل في موضوع الاستيطان. ورفع الفلسطينيين الى شجرة عالية، بخلقه توقعات ما كان يمكنه أن يحققها. بعد ذلك دفع محمود عباس من فرع الشجرة، واسقطه الى ارض الواقع. هذا هو الواقع الذي يفرض على الزعيم الفلسطيني التواجد في محادثات لا يؤمن بها، وذلك اساسا لانه لا يمكنه ان يرفض لاوباما. غير أنه في غابتنا توجد الكثير من الاشجار، واوباما، بعد أن نزل عن واحدة منها، يصر على تسلق شجرة اخرى – شجرة المحادثات المباشرة والاتفاق المنشود "في غضون سنة واحدة" كما قالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. اوباما، مثل اوباما يؤمن بالمحادثات. وهو يرى المنفعة التي قد تنشأ عنها ولكنه يرفض ان يدرج في حساباته ايضا الثمن الذي ينطوي عليه فشلها.
لا مجال للتنديد برئيس الولايات المتحدة على رغبته احلال السلام بين إسرائيل وجيرانها. وقد بدأ ولايته بالهجوم على هذا الهدف وتمكن من التعلم من عدة اخفاقات. اوباما يفهم اليوم اكثر بكثير مما فهم في بداية الطريق، كم حيويا التعاون من جانب زعماء في العواصم العربية المعتدلة لدفع المسيرة السلمية الى الامام. وهو يفهم بانه سيتعين عليه أن يجلب السعوديين، وهذا لن يكون بالضرورة سهلا. وهو يفهم مخاوف إسرائيل من مفاوضات مع زعيم فلسطيني ضعيف، وكذا تحفظ الفلسطينيين من مفاوضات مع حكومة فلسطينية تبدو لهم كحكومة هدفها الحقيقي هو تسويف الوقت. ما يبدو بانه لا يفهمه بما فيه الكفاية، هو ان لعبة المحادثات المباشرة قبل اوانها هي لعب بالنار. وعند تقديم عرض كبير، مغطى اعلاميا، فان المرء يستدعي أزمة كبيرة، مغطاة اعلاميا ايضا.
ثمة مشكلة تكمن في أن قطار المحادثات انطلق، وفي المقطورة الامامية ثمة رئيس يقوده مع جدول زمني لا يتوافق مع التطورات في الشرق الاوسط. إسرائيل منشغلة بايران، الفلسطينيون منشغلون بالبناء البطيء للمؤسسات. المفاوضات ستزعج هذه المسيرة اكثر مما تدفعها الى الامام.
اوباما ايضا مشغول. بعد قليل توجد انتخابات. الحرب في افغانستان مستمرة، وكذا الازمة الاقتصادية. قدرته على التأثير على زعماء الشرق الاوسط في الحضيض. وهو يتقدم كمن مسه الجن فقط لانه قرر منذ زمن بانه يجب عمل شيء ما، لانه تعهد، لانه عين مبعوثا واطلق وعودا، ولان هذا هو المسار الوحيد السهل عليه في هذه اللحظة التقدم فيه. غير أن الأمر يتعلق بتقدم تقرر حسب التوقيت المريح لاوباما وليس حسب ما تستدعيه التطورات الاقليمية. وعليه، فيمكن للرئيس ان يدشن لقاءا احتفاليا. بعد ذلك، على ما يبدو سيعلق. وستندلع ازمة. وقد يكون لها ثمن. في افضل الاحوال، سيكون معناها سيكون تأخير اضافي.
(معاريف 23/8/2010)




















