ارتبطت قضية فلسطين منذ نشوئها بقضايا الصراع الدولي والإقليمي على الشرق الأوسط، ثم ارتبطت، في عقود الخمسينات إلى الثمانينات، بصراعات الحرب الباردة. ومع هيمنة الولايات المتحدة، في مطلع التسعينات، على النظامين الدولي والإقليمي، بدأت بطرح مشاريع لتغيير صورة المنطقة، يتمثل أهمها بإقامة "نظام شرق أوسطي جديد"، قوامه تسوية مختلف تجليات الصراع العربي – الإسرائيلي، وإقامة منظومة علاقات تعاون ثنائي وجماعي، بين إسرائيل والدول العربية؛ وغيرها من الدول الشرق الاوسطية (تركيا خاصة). وفي العقد الأول من هذا القرن جرى الربط بين الحرب الدولية على الإرهاب، وتعزيز مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، بغض النظر عن التسوية (عهد بوش الابن).
ومعلوم أن الولايات المتحدة، على خلفية ما تقدم، احتلت أفغانستان (2002) والعراق (2003)، ما أتاح لإسرائيل، في تلك المناخات، تقويض التسوية مع الفلسطينيين؛ ومعاودة احتلال مناطق السلطة. لكن نتيجة هذه التطورات لم تأتِ على قدر توقعات الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل)، إذا أن احتلال العراق وتقويض عملية التسوية دعّم نفوذ قوى الإسلام السياسي المسلحة ("حزب الله" في لبنان و"حماس" في فلسطين وجماعات المقاومة المسلحة في العراق)، في مقابل انحسار نفوذ ما يسمى "القوى المعتدلة" في الشرق الأوسط.
لكن النتائج الأهم لهذه التطورات تمثلت بصعود قطبين إقليميين (أي إيران وتركيا). فمنذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي، لم يعد بالإمكان التعاطي مع القضية الفلسطينية، أو مع قضية الصراع ضد إسرائيل، في معزل عن التفاعلات الإقليمية، والإقليمية – الدولية، الناجمة عن صعود مكانة إيران وتركيا في تقرير السياسات والخرائط السياسية في الشرق الأوسط. ويجدر التذكير هنا بأن صعود هاتين الدولتين جاء انعكاسا لتعثر المشروعات الأميركية في المنطقة، وتراجع قدرة إسرائيل كدولة رادعة، وبسبب تدهور عملية التسوية، وبحكم ضعف النظام العربي، وافتقاده فاعليته، وتضارب توجهات الوحدات السياسية المكونة له.
وبالمقارنة، يمكننا ملاحظة تركيز إيران على المداخلات السياسية، ولاسيما المتعلقة بقضية فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي. ويأتي ضمن ذلك سعيها لإضعاف نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة (والعراق خصوصا)، ودعمها منظمات المقاومة الإسلامية المسلحة في لبنان وفلسطين، ومناهضة عملية التسوية، ومناوأة النظام الرسمي العربي، ومحاولاتها تشكيل واقع إقليمي جديد مناهض لإسرائيل، مع سعيها لكسر الاحتكار النووي الإسرائيلي.
أما تركيا فيمكن ملاحظة تركيزها على تعزيز دورها الشرق الاوسطي عبر المساهمة في عملية التسوية، والتعاون مع مجمل الدول العربية، والتركيز على البعد الاقتصادي. وربما اقلق تركيا، بزعامة حزب "العدالة والتنمية"، تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، بخاصة أن هذا الدور يمكن أن يؤدي إلى تزايد نفوذ الإسلام "الشيعي"، في الشرق الأوسط، على حساب الإسلام "السني". كذلك ربما اقلقت تركيا التوجهات السياسية الراديكالية لإيران، في دعمها لتيارات الإسلام السياسي المسلح، ومناهضتها للنظام العربي، ما يمكن أن يساهم بتقويض الاستقرار في المنطقة (المجاورة لتركيا)، وإضعاف العلاقات الاقتصادية التركية – العربية، الأمر الذي يؤثر سلبا على محاولات النهوض الاقتصادي لتركيا. كذلك ربما يدخل في هذا الحساب أيضا سعي تركيا لتعزيز مكانتها الإقليمية، بما يدعم محاولاتها دخول منظومة "الاتحاد
الأوروبي".
ويشير تصدع العلاقات التركية – الإسرائيلية الى تغير البيئة الإستراتيجية المحيطة بإسرائيل، التي كانت خسرت إيران (قبل ثلاثة عقود)، ما يعني بقاءها وحيدة في محيط معادٍ ومضطرب وخطر عليها. ومشكلة إسرائيل مع تركيا تختلف عن إيران، فتركيا جزء من العالم المعتدل، وعضو في الحلف الأطلسي، وتتمتع بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة، وتطمح لعضوية الاتحاد الأوروبي. وما يزيد حرج إسرائيل أن تركيا تواجهها ضمن حدود الشرعية الدولية، وبوسائل سلمية ومدنية، وهي تتبنى رفع الظلم المحيق بالفلسطينيين، ولا تنادي بإزالة إسرائيل. ومشكلة إسرائيل أن تركيا تناطحها على مكانتها في الشرق الأوسط في المجالات: السياسية والأمنية والاقتصادية، وأنها تمتلك مقومات ذلك، وحتى إنها ربما تحظى برضى العالم الغربي بهذا المجال، بعدما باتت إسرائيل بمثابة عبء على الغرب، ولتحقيق توازن في الموقف الأوروبي إزاء العالم الإسلامي.
وإذا كان صعود كل من ايران وتركيا جاء على حساب النظام العربي، فإنه جاء على حساب إسرائيل، ايضا، لاسيما بشأن تحجيم قدرتها على تقرير مستقبل الشرق الأوسط. وقد شهدنا بوادر ذلك في رفض معظم حكومات (ومجتمعات أوروبا) سياسات إسرائيل، واعتبار عديد من قادة الولايات المتحدة (على المستويين السياسي والعسكري) بأن سياسات إسرائيل المناهضة للتسوية تضر بالأمن القومي الأميركي، وتغذّي نفوذ إيران والقوى الراديكالية في المنطقة.
ويستنتج من ذلك أن مصير القضية الفلسطينية لم يعد يتحدد بناء على ما يريده الطرفان المباشران (إسرائيل والفلسطينيين)، فقط، وإنما بات يرتبط، أيضا، بما تريده القوى الدولية والإقليمية النافذة. وضمن ذلك يصح القول إن مصير عملية التسوية سيتحدد بناء على مآلات الصراع الجاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى (بالنسبة لدورها الإقليمي وحيازتها قوة نووية ودعمها منظمات المقاومة المسلحة في لبنان وفلسطين)،
كما على كيفية حل هذا الصراع (بالوسائل السياسية أم العسكرية).
وخلاصة القول فإن قضية فلسطين، ومسألة التسوية معها، باتت عند عتبه معينة، ولكن اجتياز هذه العتبة يحتاج إما إلى حسم الصراعات والتجاذبات الدائرة بين القوى الدولية والإقليمية، في الصراع على شكل الشرق الأوسط، أو استعادة النظام العربي فاعليته ووحدة موقفه، أو على الأقل خلق تفاعلات جديدة في إطار النظام العربي تتأسس على إعادة الاعتبار لمحور دمشق – القاهرة – الرياض (وهو ما بدأت تباشيره في بعض المجالات).
– دمشق
(كاتب فلسطيني)
"النهار"











