بعد الزيارة الناجحة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان إلى صربيا في الشهر الماضي، التي جمع فيها الاقتصاد والسياسة والثقافة بعد أن شملت زيارته اقليم السنجق الذي تسكنه أغلبية بشناقية، جاءت الزيارة الناجحة لرئيس الجمهورية التركي عبد الله غول إلى البوسنة في مطلع أيلول الحالي لتؤشر إلى مدى الاختراق التركي للبلقان الذي يشبهه البعض بـ "الفتح العثماني الجديد للبلقان ".
وكما ان الفتح العثماني الأول للبوسنة في القرن الخامس عشر وجد من يقاومه ومن يعارضه فان "الفتح العثماني الجديد" للبوسنة يجد الآن من يؤيده ومن يعارضه. وفي الحقيقة ان النقاش حول ذلك يمتد من تركيا إلى البوسنة وحتى إسرائيل.
ففي تركيا هناك من المحللين من يرى ان تركيا الاردوغانية تسعى لكي تكون "الدولة الأم" للمسلمين أو للبشناق في البوسنة انطلاقا من خصوصية البوسنة و الخطورة التي تمثلها في ظل اختلال موازين القوى بين المكونات الاثنية الثلاثة هناك. فصرب البوسنة يتصرفون بقوة لكونهم يتمتعون بوجود "الدولة الأم" (صربيا) في الجوار، وكذلك الكروات بوجود "الدولة الأم" (كرواتيا) في الجوار، بينما كان المسلمون يشعرون بفقدان "الدولة الأم".
وكما هو الأمر في تركيا، حيث يختلف الأمر بين الموالاة والمعارضة في النظرة إلى جدوى هذه السياسة بالنسبة إلى تركيا، فان النقاش في البوسنة حول ذلك يختلف من طرف إلى آخر. ففيما يتعلق بالمسلمين أو البشناق أنفسهم يختلف الأمر بين من يميل إلى الدور المتزايد لتركيا باعتبارها "الدولة الأم" لهم وبين من يسرّ لتدفق المساعدات التركية إلى البوسنة التي توحي للمسلمين هناك انهم ليسوا منسيين.
ولكن النظرة إلى هذا الأمر تختلف تماما لدى صرب البوسنة (33% من السكان قبل الحرب) الذين أعطتهم اتفاقية دايتون 49% من أراضي الدولة ليقيموا عليها "جمهورية الصرب"، كما أعطتهم صلاحيات كبيرة على مستوى السياسة الخارجية للدولة. ومع أن تركيا قامت باختراق كبير في البلقان مع تحسين علاقاتها مع "الدولة الأم" (صربيا) خلال 2009-2010 إلا أن هذا لم يؤثر في انزعاج قيادة صرب البوسنة من الدور المتزايد لتركيا في البلقان بشكل عام وفي البوسنة بشكل خاص. وفي هذا السياق لم يتوان رئيس "جمهورية الصرب" رايكو كوزمانوفيتش عن القول " لسنا سعداء لكوننا نرى تعاظم الدور التركي في البلقان"، كما أن رئيس الحكومة في "جمهورية الصرب" ميلوراد دوديك قد ذهب إلى أكثر من ذلك حين صرح خلال زيارته إلى إسرائيل مؤخرا بالقول " ان إسرائيل منزعجة من الدور التركي في البوسنة".
ويمكن فهم ذلك بالتباين بين القيادة الجديدة في صربيا ذات التوجه الأوروبي منذ 2008 التي يمثلها بوريس تاديتش والتي تريد لصربيا أن تنضم في أسرع وقت إلى الاتحاد الأوروبي وبين قيادة صرب البوسنة (ميلوراد دوديك) التي تمثل الخط القومي الصربي الذي لا يزال يعيش في الماضي. ومن هنا فان كل سياسة دوديك تنصب منذ سنوات على إفشال اندماج البوسنة على مستوى الداخل و على إفشال اندماج البوسنة كما هي كجمهورية فدرالية في الاتحاد الأوروبي. فدوديك يعمل كل ما في وسعه لإفشال العيش المشترك وصولا إلى استسلام الأوروبيين أمام "قدر البوسنة" كما يراه، الذي يتمثل في انقسامها واستقلال "جمهورية الصرب".
أما عن اختيار دوديك القدس الغربية للتصريح بما قاله عن "انزعاج إسرائيل من الدور التركي في البوسنة" فيمكن تفسيره أن هناك في إسرائيل من ينزعج أيضا للنجاحات التركية في المحيط الإقليمي ( في الشرق الأوسط والبلقان) في الوقت الذي تتوتر علاقاتها مع إسرائيل. وبعبارة أخرى هناك قاسم مشترك بين حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل وبين حكومة ميلوراد دوديك في "جمهورية الصرب" بالبوسنة يتمثل في إفشال أي نجاح تركي هناك.
ومن المفارقة هنا أن هذا الدور التركي في البوسنة لا يلقى الاعتراض نفسه من صربيا، لان ما يجمع تركيا وصربيا الآن هو السعي المشترك للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن هنا فان المصلحة المشتركة لهما تكمن في استقرار واندماج البوسنة لكي تنضم بدورها إلى الاتحاد الأوروبي في أقرب وقت.
"المستقبل"











