ثمة تناقض جوهري بين مطالبة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالإعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وتمسكه بمواصلة البناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بعد انتهاء مدة التجميد في نهاية هذا الشهر. فعلى الرغم من كل البروباغاندا اليمينية الإسرائيلية، فإن المطالبة باعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة لا يعني فقط تخلياً عن حقوق الفلسطينيين في العودة الى أرضهم؛ بقدر ما هو أيضاً تعبير عن القلق الإسرائيلي الكبير على مستقبل هوية إسرائيل، وعن الخوف الحقيقي من تحولها خلال عقد من الزمن دولة ثنائية القومية، في ظل تراجع الهجرة اليهودية، والزيادة الديموغرافية الكبيرة لعرب 48 وللفلسطينيين في الضفة الغربية.
لقد شهدت الأعوام العشرة الأخيرة تبدلاً مهماً وذا دلالة، في جدول أعمال المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية. فبعد أن كان المفاوضون الإسرائيليون في الجولات الماضية يعطون الأولوية لمشكلات الحدود، والمستوطنات، والقدس، واللاجئين، ثم الأمن؛ إذا بهم يغيرون ترتيب أولوياتهم بحيث بات الاعتراف بيهودية الدولة يأتي في رأس المطالب. وإذا كان نتنياهو، وقبله إيهود أولمرت اعتبرا هذا المطلب بمثابة إثبات لتمسكهما بإيديولوجيا اليمين، فإنهما من جهة أخرى قد عبدا الطريق واسعاً أمام فكرة تخلي هذا اليمين عن مفهوم أرض إسرائيل- الكاملة، من أجل المحافظة على يهودية الدولة. إذ لا يمكن أن تبقى إسرائيل "يهودية" إذا كان يعيش تحت سيطرتها أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني مرشحين خلال الأعوام العشرة المقبلة لأن يصبحوا ضعف عددهم الحالي، والقضاء نهائياً على حلم إسرائيل في البقاء دولة لليهود.
ولكن من ناحية أخرى، فالمطالبة بالاعتراف بيهودية إسرائيل تحمل ضمناً الرفض الإسرائيلي المطلق لعودة اللاجئين الى فلسطين، وتحصر حل مشكلتهم في الدولة الفلسطينية العتيدة. وإذا كان مفهوماً اصرار نتنياهو على هذا المطلب، فإنه من غير المفهوم التجاوب الأميركي معه. فقول الموفد الأميركي الخاص جورج ميتشل بأن حل الدولتين يعني إسرائيل دولة يهودية وديموقراطية ينطوي على مغالطة أساسية. إذ كيف يمكن في مقاييس الديموقراطية الأميركية اعتبار دولة تقوم على الدين، والانتماء القومي وتميز بين مواطنيها على هذا الأساس دولة ديموقراطية؟
وعلى الرغم من ذلك، فإن حصول إسرائيل على الدعم الأميركي لمطلب يهودية الدولة، لا يعني أنها سلّمت نهائياً بمبدأ الانسحاب من المناطق الفلسطينية التي ما زالت حتى اليوم خاضعة لسيطرتها، كما لا يعني إقرارها علناً بضرورة البحث منذ الآن بمصير المستوطنات اليهودية المعزولة التي يعرف الكل في اسرائيل أنها ستُخلى، ومع ذلك الكل يحاول تجاهل ذلك، ويطالب بالعودة الى البناء فيها.
لقد أضمر قيام إسرائيل ببناء الجدار الفاصل بينها وبين الضفة الغربية، أن هذا الخط سيشكل مستقبلاً حدودها الشرقية مع الدولة الفلسطينية العتيدة. أما اليوم فقد ساهمت سياسة الغموض التي ينتهجها نتنياهو من موضوع التسوية السياسية مع الفلسطينيين منذ وصوله الى السلطة، ومنذ خطابه الشهير في جامعة بار إيلان حين اعترف بحل الدولتين في إشاعة اقتناعات لدى الجمهور الإسرائيلي، بأن مستقبل المستوطنات اليهودية في الضفة سيبقى في منأى عن أية تنازلات مقبلة في المفاوضات مع الفلسطينيين، وذلك على الرغم من استعداد نحو 20 الى 30 في المئة من سكان المستوطنات التي من المنتظر أن تُخلى، على البحث منذ الآن في انتقالهم إلى إسرائيل والتعويض عليهم، وفق ما تحدثت عنه الصحف الإسرائيلية.
إن الرؤيا المضللة لليمين الإسرائيلي من موضوع التسوية مع الفلسطينيين، جعلت الرأي العام العام هناك غير مقتنع باحتمال نجاح المفاوضات المباشرة، وعززت دعم مواصلة البناء في المستوطنات بعد انتهاء مدة التجميد. كما أن المحاباة الأميركية للإسرائيليين في مسألة يهودية الدولة من دون توضيح المغزى الحقيقي لمثل هذا الاعتراف، أي استحالة ان تكون إسرائيل يهودية من دون انهاء احتلالها لمدن الضفة الغربية واخلاء مستوطناتها من هناك، من شأنه أن يزيد الغموض والالتباس، ويعقد امكانية التوصل الى تسوية حقيقية للخلافات.
"النهار"











