تقتضي معرفة مفهوم حقوق الإنسان العودة الى الوثائق الدولية المختلفة، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول 1948، الذي تحتفل البشرية بذكراه الستين، وعهدي حقوق الإنسان اللذين تم إقرارهما في سنة 1966 والخاصين بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعدد من الاتفاقات الدولية التي تم إبرام معظمها في إطار منظمة الأمم المتحدة، فضلاً عن مواثيق اقليمية خاصة بحقوق الإنسان في أوروبا والأميركيتين وإفريقيا والعالم العربي.
إن المفهوم الذي تحدده هذه الوثائق، التي حظيت بقبول واسع في المجتمع الدولي، تمثل في تصديق عدد كبير من الدول عليها وأصبحت بمثابة قواعد عرفية للقانون الدولي، إنه مفهوم شامل ينطوي على ثلاث فئات من الحقوق، يتفق كل منها مع جيل معين من حقوق الإنسان، ساهمت أقسام متبانية من البشرية في صياغته: أولاها، الحقوق السياسية والمدنية، وتتمثل في حقوق الحياة والحرية والكرامة الشخصية، البدنية والمعنوية، وضمان المحاكمة العادلة وحرية العقيدة والتعبير والتنظيم المهني والسياسي وانتخاب الحاكمين.. إلخ.
وثانيتها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل حقوق العمل وفقاً لأجر عادل، والتعليم، والعلاج، والدخل المناسب.
وثالثتها، ما يمكن تسميته بحقوق الشعوب أو الحقوق الجماعية، مثل حقوق تقرير المصير والسلام والتنمية والبيئة، فضلاً عن استخدام اللغة الوطنية وصيانة الثقافة القومية.
وفي كل الأحوال فإن مبادئ حقوق الإنسان تندرج ضمن المبادئ العامة للبشرية كلها، بحيث أن الخصوصية القومية لا ينبغي أن تقوض المبادئ العامة، بل تقتضي تدعيم المعايير الدولية لا الانتقاص منها، والتشديد على القضايا الأكثر الحاحاً في بلداننا العربية وليس تجاوزها.
إن الحرية هي أصل جميع الحقوق، وهي قيمة في حد ذاتها تملأ حياة الإنسان وتعطيها معنى. مع العلم أن إنكار عالمية حقوق الإنسان والدعوة الى التضحية بفئة معينة منها قد اقترن ـ في أغلب الأحيان ـ بإنكار كل حقوق الإنسان الأخرى، ولا يبدو أنه اقترن ـ في كل الحالات ـ بالإسراع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فقد استقر الفكر الإنساني على وجود ترابط عضوي بين التنمية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك العلاقة المتبادلة التي لا تقبل التجزئة بين مجموعة فئات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أن الأساس في هذا الترابط هو قيام الأنظمة الديموقراطية على منظومة ثلاثية لحقوق الإنسان والتعددية السياسية والفكرية والمشاركة السياسية، بحيث تغدو الحقوق مبادئ موجهة والتعددية أطراً تنظيمية والمشاركة ممارسة عملية للحقوق والواجبات.
وكمجال مميز للسياسة الدولية، يمكن دراسة حقوق الإنسان بأكثر من منظور:
ـ باعتبارها حركة عالمية، هي تعد بذلك أحد التجديدات المؤسسة الهامة في النظام الدولي.
ـ باعتبارها أحد موضوعات السياسة الدولية، أي التفاعل بين الدول وتكتلات الدول في النظام الدولي القائم على السيادة الوطنية وعلاقات القوة والمصلحة. ويركز هذا المنظور على الطبيعة المنافقة والمزدوجة للتلاعب بقضية حقوق الإنسان، لتحقيق مصالح أنانية من قبل بعض الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. وهنا يثير بعض ضيقي الأفق ضرورة تجنب إثارة قضايا حقوق الإنسان حتى لا نقع فريسة التلاعب الدولي بهذه القضية، وأن نستدعي تدخل الأقوياء في الشؤون الداخلية لدولنا الضعيفة. والواقع أن هذه المقولة بها بعض الصدق، ولكن ليس الصدق كله. إذ أن استفادة الناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان، باعتباره مسؤولية مشتركة للبشرية، من قوة هذه الدولة أو تلك، أو من الدور الجديد المؤثر لمنظمات المجتمع المدني في العالم، أو من قدرة الأمم المتحدة على استخدام هامش استقلالها النسبي عن الدول الأعضاء لنصرة حركة حقوق الإنسان، لا يغير من تقديرنا لحقيقة أن هذه الحركة تنبعث فعلاً من الضمير العالمي.
ـ يقوم على الفلسفة والثقافة السياسيتين داخل المجتمعات، ويتبلور هذا المنظور في إدراك موحد بأن احترام حقوق الإنسان لم يعد حكراً للسياسة الدولية، وإنما قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من السياسة الداخلية لمختلف المجتمعات، وأنه بذلك يتحول الى معيار أمين للمشروعية والمصداقية السياسيتين.
وهكذا، فمفهوم حقوق الإنسان في الوقت الحاضر مفهوم شامل لا يقتصر على فئة واحدة من الحقوق دون غيرها، فهو يشمل حقوق الأفراد والجماعات والشعوب، كما ينطوي على حقوق سياسية ومدنية مثلما ينطوي بالقدر نفسه على حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية. ومع ذلك، لا يمكن القول بأن التجمعات الدولية المختلفة تعطي الدرجة نفسها من الأهمية لكل فئات هذه الحقوق، أو أنها تتبنى نفس المعايير في الدعوة لها وحمايتها أو حتى الاعتراف بها.
ففي العالم العربي طغى الطابع الاحتفالي على مبادرات جامعة الدول العربية بشأن الميثاق العربي لحقوق الإنسان، فمنذ المؤتمر العالمي الأول لحقوق الإنسان في طهران سنة 1968 بقي بند مشروع الميثاق يتكرر على جدول أعمال أغلب دورات الجامعة، الى أن تمت التوصية بإقراره في أوائل سنة 1993 من قبل اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان، قبيل المؤتمر العالمي الثاني في فيينا خلال شهر حزيران 1993. وبعد أن جرى الحديث عن تطويره منذ العام 2004، لتحصين الموقف الرسمي العربي في مواجهة رياح الخطاب العالمي حول التغيير والديموقراطية وحقوق الإنسان، تمت المصادقة عليه في آذار الماضي. ولعل الحكومات العربية تدرك، ولو متأخرة، أن صيانة حقوق الإنسان العربي هي المدخل لأي إصلاح عربي منشود.
() كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
"الرأي"




















