قبل ايام اتصل بي صديق أمضى اكثر من اربعين سنة في سلك القضاء، وليست له اي مصالح سياسية او فئوية أو شخصية، وانطلقت مواقفه السياسية دائماً من لبنانية صافية غير طائفية وغير مذهبية. قال ان لديه اقتراحاً يمكن بواسطته تجاوز "قطوع" القرار الاتهامي المتوقَّع صدوره بعد اسابيع أو اشهر قليلة عن المدعي العام الدولي دانيال بلمار في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولما طلبت منه أن يشرحه ضمن مقالة مكتوبة تنشرها "النهار"، وذلك امر كان يفعله في مناسبات سابقة، فضّل أن يثار الموضوع بطريقة غير مباشرة. ما هو اقتراحه؟ وماذا كان تعليقي عليه؟
الاقتراح هو ان يبادر مجلس الوزراء بإجماع اعضائه وفي جلسة رسمية الى اتخاذ قرار برفض القرار الاتهامي او على الأقل بالتحفظ عنه. وان يؤكد المجلس سواء في الجلسة نفسها او قبلها او بعدها عدم تخليه عن "المحكمة الخاصة بلبنان" (الدولية) والتزاماته حيالها وانتظاره نتائج اعمالها مستقبلاً، قريباً كان هذا المستقبل أو بعيداً. سألت عن الوقت الذي يراه مناسباً لاتخاذ الموقف الرسمي الذي اقترحه. فقال: "في اسرع وقت ممكن". رددت: يعني انك تقترح رفضاً لقرار اتهامي لم يصدر بعد عن "المدعي العام الدولي". وعلّقت بالاشارة الى ان هناك نقطتين تثيران التساؤل في هذا الاقتراح او بالاحرى تدفعان "أنصار المحكمة الدولية" الى التحفظ عنه. الاولى هي ان رفض مجلس الوزراء اللبناني قراراً اتهامياً قبل صدوره قد يكون عملاً سياسياً "حكيماً" في نظر البعض اذ يجنّب البلاد الأخطار التي يتحدث عنها الجميع منذ اسابيع، علما ان ذلك ليس مضموناً رغم تفاوت امكانات افتعال الاخطار عند الفريقين اللبنانيين الأساسيين. لكنه قطعاً ليس عملاً قانونياً. اذ انه ينطوي على موقف رفضي من قرار اتهامي لم يصدر بعد. وليس في ذلك شيء من الاحتراف القانوني ولا نقول السياسي، لأن في السياسة كل شيء يجوز حتى "تزويج الذكر على الذكر"، كما يقال في العامية. علما ان هذا "التزويج" صار "موضة" في عدد من دول العالم "المتقدم"، كما صار قانونياً في عدد آخر منها. اما النقطة الثانية فهي ان لبنان وتحديداً السلطة التنفيذية فيه، ممثّلة بمجلس الوزراء، لا تستطيع عملياً ان تقبل حكماً تصدره "المحكمة الدولية" وخصوصاً اذا كان مبنياً على نحو تام او شبه تام على قرار اتهامي سبق ان رفضته هذه السلطة. اذ كيف، من الناحية السياسية، يستطيع مجلس الوزراء أن يقبل حكماً يُجرِّم أفراداً من "حزب الله" بعدما كان رفض مجرد اتهام المدعي العام الدولي بلمار اياهم بالضلوع في جريمة الاغتيال. لا بل كيف يستطيع عملياً ان يجنب البلاد الوقوع في الأخطار من جراء قبول الحكم. اما من الناحية القانونية، وانا لست رجل قانون، فانني اعتقد ان التناقض الذي لا بد ان يدفع الاقتراح المشار اليه اعلاه لبنان وسلطته التنفيذية فدية الى الانتقاص من قانونية رفض القرار الاتهامي قبل صدوره ثم من قانونية قبول الحكم الصادر عن المحكمة بالاستناد اليه.
طبعاً انا اعرف تماماً النيات الطيبة للصديق القاضي بل للقاضي الطيب صاحب النيات الحسنة، لكن ذلك لا يكفي، وخصوصاً اذا كانت المشكلة في لبنان حالياً ليست فقط "المحكمة الدولية". فالمحكمة هي عنوان الازمة والمبرر لنشوئها ولاحقاً المبرر لحسمها في اتجاه او في آخر مناقض له تبعاً لموازين القوى في الداخل اللبناني ولتدخلات الخارِجَيْن الاقليمي والدولي.
اما جوهرها فهو متشعب وخطير في الوقت نفسه، ذلك انها صراع الشعبين الاكثر عددا بين الشعوب اللبنانية على السيطرة على البلاد، وعلى امتلاك الكلمة الاخيرة فيه سياسات ومواقف واستراتيجيات وحكماً وادارة. وصراع اقليمي – اقليمي على السيطرة على لبنان او على ادخاله في محورين متناقضين ومتعاديين. وكل من الاثنين له انصاره في الداخل بل شعوبه التي يمدّها بالدعم المتنوع اي السلاح والمال والرعاية السياسية. وصراع اقليمي – دولي يستعمل كل من أطرافه الشعوب اللبنانية ادوات وبلادها ساحة بغية حسمه لمصلحته.
وفي العنوان الكبير هذا عناوين فرعية لكنها مهمة وهي ما يجري التعرض لها الآن. اولها، هو تمويل المحكمة التي يخوض فريق 8 آذار بقائده "حزب الله" بحلفائه الاقليميين معركة وقفه سواء داخل الحكومة او داخل مجلس النواب. واهمية هذا العنوان الفرعي لا تكمن في ان تنفيذه يوقف عمل المحكمة بسبب افتقارها الى المال، بل يكمن في اعتبار الموقف اللبناني الرسمي للتمويل موقفاً سلبياً من المحكمة. وثانيها، الشهود الزور الذين يصر الفريق نفسه على محاكمتهم و"مصنعيهم" في لبنان بعد استنكاف المحكمة الدولية عن ذلك. واهمية هذا العنوان تكمن في ان المحاكمة بظروفها الراهنة ستُفقد فريق 14 آذار عن حق او عن باطل، صدقية عدد كبير من المنتمين اليه على تفاوت مستوياتهم. ولن يفيد هؤلاء قولهم ان بعض الشهود الزور أُرسلوا او دسوا على فريقهم من سوريا للتضليل والارباك. ذلك ان الفريق الآخر سيقول، مع اعترافه بذلك، ان "الزور" باقٍ لأن شهوده المُرسلين عمداً "صُنِّعوا و ومُوِّلوا" من 14 آذار لاتهام 8 آذار وحليفه الاقليمي. اما ثالث العناوين فهو التخلص من المحكمة بأي وسيلة ممكنة.
هل ينجح فريق 8 آذار بقيادة "حزب الله" في معركته الشاملة الداخلية – الخارجية التي عنوانها المحكمة الدولية والشهود الزور وما الى ذلك؟ ام ينجح فريق 14 آذار في مواجهة هذا "الاستهداف" الرامي الى ازالة مفاعيل "انقلاب" عام 2005 كما يسميه فريق 8 آذار؟
لا يملك احد اجوبة جازمة عن السؤالين. لكن ما يعرفه اللبنانيون ولا سيما منهم المتابعون يشير الى امرين. الاول، ان المحكمة الدولية لن تتوقف وسيبقى سيفها مصلتاً على الحزب وسوريا وربما ايران، وإن نجح هؤلاء في "ضرب" الشق اللبناني منها. والثاني، ان اللبنانيين سيدفعون الثمن من استقرار بلادهم ومن عيشهم المشترك ومن دستور الطائف على الثغر الكثيرة فيه وسيجدون انفسهم من جديد ولكن على الحامي ربما امام سؤال قديم – جديد هو: اي لبنان نريد؟ ولا احد يبدو واثقا انه يعرف جواباً عن هذا السؤال.
sarkis.naoum@annahar.com.lb
"النهار"




















