هل هذه بداية الحروب الالكترونية، التي تستطيع ان تشل الدول وتدمّر فاعلية مؤسساتها وتوقعها في الشلل والعجز، من دون حاجة الى القنابل والصواريخ والى القاذفات والمدمرات وما الى ذلك من البارود والنار؟
انها دودة "ستوكس نت" التي تستأثر الآن باهتمام الدول المتقدمة والصناعية والتي ينكب الخبراء على محاولات استكشافها ودرسها تمهيدا للبحث عن الوسائل الكفيلة في مواجهتها ومثيلاتها وشل عملها التخريبي، اذا اخترقت الانظمة الالكترونية في دولهم.
"ستوكس نت" دودة فيروسية تضرب اجهزة الكومبيوتر وتعطل عملها، ويعتقد عدد كبير من الخبراء والعلماء انها صُمّمت اصلا في اسرائيل لتخريب البرنامج النووي الايراني وشل قدرة ايران على المضي في تخصيب الاورانيوم توصلا الى صنع قنبلة نووية.
لكن دودة "ستوكس نت" التي ضربت في ايران قبل ايام تبين انها ضربت ايضا في الصين وعطلت اكثر من الف كومبيوتر تشغل منشآت اقتصادية في الصين واكثر من ستة ملايين كومبيوتر شخصي.
❑ ❑ ❑
ولكي يكون الامر واضحا، فإن هذه الدودة الفيروسية هي عبارة عن برنامج كومبيوتري تخريبي صُمم لاختراق الحواسيب التي تنتجها شركة "سيمنس" الالمانية، والتي تعتمدها دول كثيرة في العالم من اجل التحكم بالتشغيل الآلي الصناعي.
هذا يعني في الامكان عمليا تصميم برامج تخريبية تستهدف كل الانظمة التشغيلية المعتمدة في دول العالم، والتي تشكل اساسا لانتظام دورة المجتمع والحياة في هذه الدول.
لتبسيط الامر يقول ديفيد مورغان احد علماء الالكترونيات ان من الممكن تنفيذ "بيرل هاربور" الكترونية مدمرة، عبر شن هجوم يشل انظمة التشغيل، فتستيقظ مجتمعات فجأة لتجد ان النظام الحياتي الاجتماعي قد تعطل كليا: لا كهرباء، لا ماء، لا هاتف، لا اشارات سير، لا مستشفيات، لا مصانع تنتج الاغذية والادوية (ربما تنتج ادوية قاتلة) لا مطارات، لا طيران، لا سفن، لا صواريخ، لا قاذفات، لا ردارات. يمكن ايضا اشعال الحرائق وتعطيل الاطفائيات، وتفجير السدود وتعطيل المصاعد في ناطحات السحب… باختصار يستطيع هجوم فيروسي شامل على الانظمة التشغيلية في بلد متقدم ان يشل هذا البلد من دون الحاجة الى اطلاق رصاصة واحدة.
ربما لهذا ستكون الحرب الالكترونية وخطرها الاستراتيجي، الموضوع الرئيسي في قمة حلف الاطلسي التي تعقد في لشبونة في 19 و20 تشرين الثاني المقبل. ويقول دانيا فانتر خبير المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا ومؤلف كتاب "حرب الانترنت وحرب المعلومات" أن الصيغ الاولى لمثل هذه الحرب بدأت عند الاميركيين عام 1992.
❑ ❑ ❑
الآن يتجه خبراء الانترنت والبرمجة الالكترونية الى ترجيح النظرية التي تقول ان "ستوكس نت" مصدره اسرائيلي، لانه يتضمن اسماء مثل "أستير" و"ميريتس" مستقاة من العهد القديم. وقد تمثل شيفرة توراتية تذكّر بواقعة الحسناء استير التي تمكنت بالخديعة من الزواج بملك الفرس خشايارشا من دون ان يعلم انها يهودية بعدما كان قد استجاب وزيره هامان وقرر القضاء على اليهود، ولكن استير تمكنت من اقناعه بقتل هامان وتعيين ابن عمها موردخاي في منصب رفيع!
ولكن اسرائيل تنفي ان تكون وراء هذا الهجوم الفيروسي، الذي عطل اكثر من الف جهاز طرد مركزي في محطة ناطنز الايرانية، وترجح ان يكون التجسس الصناعي المتطور على شركة "سيمنس" نوع من الاختبار الاكاديمي وراء دودة "ستوكس نت".
❑ ❑ ❑
في النهاية، ماذا يشعر المرء في دول فقيرة او فاشلة او نامية او غارقة في صراعات قبائلها كما في لبنان مثلا، امام اخبار من هذا النوع؟
يشعر المرء فعلا، بانه يعيش في العصر الحجري، وفي كهوف الاوهام ومغاور التخلف ومجاهل الحياة السوية، لكن ما قد يعزي وهو في طور البدائية التافهة، ان امبراطوريات ودولا عظمى قد تعود الى الغابة بسرعة امام هجمات شريرة وارهابية ينتجها العلم اياه الذي انتج المعرفة والتطور!
rajeh.khoury@annahar.com.lb
"النهار"




















