أثناء احتفال إسرائيل بعيد الغفران، أعلنت رسمياً طلبها من السلطة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة. وإذا كان ذلك هدفاً معلناً منذ عقود، فان اختيار المناسبة الدينية لإعلانه لم يكن صدفة. فلهذا العيد طقوس دينية رمزية. بموجب هذه الطقوس، يقوم رب الأسرة بشراء دجاجة حيّة من السوق ويأتي بها إلى البيت.
يتجمع أفراد الأسرة حول الدجاجة في الوقت الذي يتولى حاخام قراءة أدعية وصلوات معينة. بعد ذلك يحمل الحاخام الدجاجة وهي حيّة ويحرّكها بشكل دائري فوق رأس كل فرد من أفراد الأسرة. والاعتقاد هو انه بهذه الحركة تنتقل أخطاء وخطايا كل فرد إلى الدجاجة. ويتحقق بذلك الغفران للأسرة كلها. بعد ذلك تُذبح الدجاجة ويُنتف ريشها وتُطبخ وتُقدَّم للعائلة طبقاً للعشاء.
توجد في مرتفعات الجليل في شمال إسرائيل بلدة صغيرة تعرف باسم "زريفات". عند غروب شمس كل يوم جمعة يتجمع الأصوليون من رجال الدين اليهود المعروفون باسم " بريسلوف هاسيديم" في الكنس ويرددون أنشودة دينية يهودية عنوانها "ليكادولي"، ومعناها "ليأت من نحب". والذي يحبون ان يأتي وينتظرون مجيئه هو السيد المسيح.
يقول الاعتقاد الديني اليهودي إن المسيح سيأتي بعد ظهر يوم جمعة. وانه سيظهر في بلدة زريفات التي تقع في جبل ميرون في الجليل. وانه سوف يتوجه من هناك سيراً على الأقدام إلى القدس. ولذلك اتخذ الأصوليون اليهود من هذه البلدة محطة انتظار منذ العام 1900، أي منذ العهد العثماني. وأقاموا فيها مركزاً للدراسات الدينية الأصولية.
لعبت الأصولية اليهودية في الدياسبورا دوراً أساسياً في تحقيق التضامن اليهودي وفي المحافظة على الشخصية الدينية لليهود في العالم. وكان اعتقاد قادة الحركة الصهيونية إن هذه الأصولية سوف تذوب في المجتمع الصهيوني العلماني عندما تقوم الدولة. أثبتت الوقائع ان هذه الحسابات كانت خاطئة تماماً. فما حدث كان على العكس، فالصهيونية العلمية تذوب وتتآكل، والصهيونية اليهودية تقوى وتتجذر . فشركة الطيران الإسرائيلية (ال – عال ) لا تعمل يوم السبت استجابة لمطالب الحركات الأصولية اليهودية. والمصاعد في البنايات في المدن الإسرائيلية تُبرمج يوم السبت بحيث تتوقف تلقائياً صعوداً ونزولاً عند كل طابق من دون ان يحتاج اليهودي إلى الضغط على زر المصعد احتراماً ليوم السبت الذي هو يوم لا عمل فيه، ولا حتى لكبس زرّ المصعد. ذلك ان مجرد الضغط على الزر يعتبر خرقاً لحرمة يوم السبت.
واليهود في إسرائيل لا ينقسمون بين السفارديم والاشكناز فقط. ولكنهم ينقسمون بين أصوليين وإصلاحيين أيضاً. وتحصر كل صلاحيات المحاكم الدينية التوراتية بإجراء مراسم الزواج والطلاق والوفاة وسائر الأحوال الشخصية الأخرى بيد الحاخامين الأصوليين. وقد أثار هذا الاحتكار نقمة الحاخامين الإصلاحيين داخل إسرائيل وخارجها ولكن دون جدوى. ففي مدينة القدس المحتلة توجد العشرات من المدارس الدينية (باشيفا) التي تخرّج رجال دين أصوليين متطرفين يتميزون بتجديل الشعر (هاسيديم) واعتمار القبعة السوداء. وهم المستوطنون الأشداء الغلاظ الذين ينكلون بأهل القدس من المسلمين والمسحيين ويسومونهم سوء العذاب.
يستنكف العلمانيون وحتى الإصلاحيون من اليهود عن ممارسة بعض هذه الشعائر الدينية ويطالبون بتجاوزها. وقد ارتفعت الصيحات من أوروبة ومن الولايات المتحدة مطالبة بالمساواة في حق ممارسة الشعائر الدينية اليهودية بين الحاخامين الأصوليين والإصلاحيين. ولكن رأي الأصوليين هو الراجح حتى الآن، وهم يزدادون قوة وسيطرة على صناعة القرار الإسرائيلي سياسياً ودينياً على حد سواء كما تشير إلى ذلك طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، حتى إنهم يحتكرون صلاحية تحديد من هو اليهودي ومن هو غير اليهودي. ومن تُغفر خطاياه وكيف، ومن لا تُغفر خطاياه ولماذا.
وفي إسرائيل اليوم مرجعيتان دينيتان لليهود. حاخام اكبر للاشكناز، وحاخام اكبر للسفارديم. والتطرف الأصولي موجود عند السفارديم (اي عند اليهود الشرقيين ) أكثر منه عند الاشكناز (اليهود الغربيين ). ولا يقتصر التطرف هنا على النواحي الدينية فقط بل يتعداه إلى الموقف السياسي. فالليكود بقيادته من الاشكناز يعتمد على قاعدة واسعة من السفارديم. ويعكس تطرف السفارديم آثاره على المواقف السياسية لليكود منذ وصوله إلى السلطة في عام 1977 بقيادة مناحيم بيغن.. واستمراره حتى اليوم بقيادة بنيامين نتنياهو. ويعود التطرف لدى السفارديم إلى عقدة النقص التي يعانون منها تجاه الاشكناز الأكثر ثقافة وثروة ونفوذاً. ويتمتع الاشكناز بعلاقات وطيدة مع الدول الغربية التي هاجروا منها وخاصة مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وكذلك مع روسيا التي هاجر منها مئات الآلاف من اليهود بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ويشكل وزير الخارجية ليبرمان أحد أكثرهم تطرفاً وتشدداً وغطرسة. هذا الواقع الداخلي يشكل قنبلة عنصرية موقوتة. ولكن الإسرائيليين يعتمدون في تعطيلها على ثقافة العداء للعرب وللمسلمين.
لقد تجمّع في فلسطين المحتلة يهود هاجروا أو هُجروا إليها من الدول العربية وإيران وتركيا. ومن أوروبة والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق وحتى من اليمن واثيوبيا (الفلاشا). يشكل اليهود الشرقيون أكثر من 65 بالمئة من يهود إسرائيل. أما "الاشكناز" فهم أقلية عددية، ولكنها تمسك بمفاتيح الدولة في السياسة والإدارة والجيش والاقتصاد. ولا تتعدى نسبة الزواج المختلط بين السفارديم والاشكناز 25 بالمئة فقط من معدلات الزواج. فالتمييز العنصري بين المجموعتين اليهوديتين لا يزال أقوى من الوحدة الدينية.
العدو المشترك للجماعتين هم العرب. ووجود هذا العدو يشكل حافزاً لتجاوز الخلافات والتباينات والتمسك بأهداب التضامن المشترك. ولذلك يشعر الإسرائيليون إنهم بحاجة إلى هذا العدو العربي لاستيعاب الكثير من المشاكل ولامتصاص الكثير من التباينات الاجتماعية الداخلية.
في كتاب صدر مؤخراً في بريطانيا للكاتب المعروف جوفري وايتكروفت وعنوانه "جدلية الصهيونية " "The Controversy of Zion "، يقول الكاتب ان قيام الدولة اليهودية زاد المسألة اليهودية في العالم تعقيداً بدلاً من ان يجد حلاً لها. وان اليهود الذين لم يهاجروا إلى إسرائيل يؤيدونها ويساعدونها مادياً ومعنوياً لأنها توفر لهم فرصة النوم على مخدة الأمان أكثر من أي وقت مضى. قد لا يهاجرون أبداً إليها ولكنهم مرتاحون لوجودها. فهي بالنسبة إليهم الملجأ والملاذ عند الضرورة. أما الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون خاصة أصحاب الأرض الشرعيين، والثمن الذي يدفعه العرب من جراء أطماع إسرائيل التوسعية، والثمن الذي يدفعه المسلمون والمسيحيون من جراء انتهاك المقدسات الدينية في القدس، ان ذلك كله لا يعني إسرائيل، ولا يثير اهتمام اليهود خارج إسرائيل. ان الفلسطينيين بالنسبة إليهم مثل دجاجة يوم الغفران، ضرورة لازمة لتجاوز الخلافات ولتنقية المجتمع اليهودي من أخطاء وخطايا الصراعات بين الاشكناز والسفارديم!!
"المستقبل"




















