لحظة تسامح السياسة الاسرائيلية سنحت قبل ثلاث سنوات. بعد ان تصدى للارهاب وكذلك انسحب من غزة، تمتع ارييل شارون بقوة سياسية غير مسبوقة. بعد ان سئم اليمين، وخشي من اليسار ايضا، كان مصمما على اقامة حزب وسط سياسي. وعندما تمازجت قوة شارون مع اصراره نشأت امكانية الحدث المدوّي. في تشرين الثاني – كانون الاول 2005 اعطي لرئيس وزراء عجوز ومحبوب حق لم يحصل عليه احد من اسلافه: اعادة تعريف السياسة الاسرائيلية من جديد والتخلص من التطرف ومن المتفرغين السياسيين والنشطاء واعطاء اسرائيل حزب امل من نوع رفيع.
اسم الحزب الجديد الاصلي كان "المسؤولية الوطنية". وكان من المفترض ان يعبر هذا الحزب عن رغبة الغالبية الاسرائيلية المتعقلة والساعية الى الانسحاب من المناطق رغم عدم ثقتها بالفلسطينيين(…).
الطاقة الكامنة الانتخابية التي كانت لدى حزب "المسؤولية الوطنية" بلغت حسب التقديرات خمسين مقعدا برلمانيا. وبما ان الحزب الجديد لم يمتلك مؤسسات ملتزمة او متمردة – كان كل شيء مشرعا ومفتوحا. دستور الحزب منح شارون قوة غير محدودة، وكان بامكانه ان يضم اليه افضل الشخصيات. كان بامكانه ان يجلب للكنيست على الاقل 20 بروفيسورا ومديرا عاما ومربيا وقائدا جماهيريا وتجاريا من الدرجة الاولى على الاقل. وكان بامكانه ايضا ان يبلور قيادة نوعية لا تكون ملتزمة بالسياسة القطاعية وانما بالمسؤولية الوطنية العامة والاجماعية. وكان بمقدوره ان يترجم المشاعر الداخلية الى فلسفة شمولية تجسد الطريق الثالث. وكان بامكان شارون ان يدمج بين مفاهيم اليسار ومفاهيم اليمين، وان يبلور خطة اسرائيلية لتحويل حزب "المسؤولية الوطنية" الى ماباي (حزب العمل) القرن الحادي والعشرين.
الا ان شارون لم يفعل كل هذه الامور. ربما لم يرغب وربما لم يكن لديه الوقت لذلك. وسرعان ما تحوّل حزب "المسؤولية الوطنية" الى "كاديما". عندما انهار شارون قام ايهود اولمرت بكل ما يعرف القيام به: وضع اصدقاءه في الحزب الجديد في المواقع التي وضعهم فيها. ورؤوفين ادلر يعرف ادلر القيام به: الحزب الجديد اعلانياً. وهكذا تحول الحزب الذي افترض به ان يبدأ السياسة من جديد الى حزب مضلل في السياسة وحزب ذر للرماد في العيون (…).
"كاديما" فشل وفشل وفشل خلال سنوات وجوده الثلاث. هو تعهد باجلاء 70 الف مستوطن حتى عام 2010 ولكنه لم يخلِ مستوطنا واحدا. وهو وعد بانتصار ساحق في حرب لبنان الثانية وفشل فشلا ذريعا، واقسم باسم السياسة النظيفة ورفع رايتها الا انه جسد امامنا سياسة ملوثة قذرة. وصرح بولائه لسلطة القانون الا انه داس على هذه السلطة.
ورغم ذلك ما زالت الغالبية الاسرائيلية تجد صعوبة في الفطام عن وعد حزب "المسؤولية الوطنية". ما زالت هذه الغالبية تطلب ما طلبته عندما ايدت شارون وحدته الكبير، ولذلك ما زال الكثيرون يطالبون بتسيبي ليفني. هذا ما ينتظره الكثيرون وهم يريدون ان يتغلب حزب "كاديما" على خيبة الامل التي تجسدت فيه. جزء كبير من الجمهور الاسرائيلي مستعد للصفح عن حزب اولمرت وعن سنوات اولمرت شريطة ان يقدم عرضا حقيقيا لفترة ما بعد اولمرت.
ولكن هذا العرض يتباطأ. حملة "كاديما" فارغة. حزب الوسط لا ينجح في اطلاق رسالة حقيقية للامة وهو لا يجابه الاخفاقات التي حصلت في السنوات الثلاث الاخيرة ولا يشير الى طريق واضح للسنوات الثلاث المقبلة.
وهكذا فان المهمة الملقاة في هذا الصباح على عاتق رئيس "كاديما" هي مهمة ضخمة. ان لم تستفق هذه الحركة ولم تحدد لنفسها رسالة ولم تبلور طاقما اقتصاديا سياسيا ممتازا فلن يكون بامكان قائدتها تسيبي ليفني ان تمنع افولها. اسرائيليون كثيرون ما زالوا يرغبون بان يتحقق الامل الذي علقوه على تسيبي وقيمها العقلانية، ولكن تسامحهم مع الهزل والسخافة المحيطين بها آخذ في الانتهاء.
"هآرتس"
ترجمة "المصدر" – رام الله
(نص اسرائيلي)
"النهار"




















