الواجب الأساسي للحكومة في الميثاق المعقود بين الدولة ومواطنيها هو الحفاظ على امنهم. في المقابل يوافق المواطنون على قيود معينة: الانصياع للقوانين والخدمة العسكرية ودفع الضرائب. وعندما لا تؤدي الحكومة واجبها هذا تكون بذلك تخرق الميثاق الاساسي، وتقلل استعدادية المواطنين لتحمّل القيود، وتمس نسيج العلاقات الحيوي في المجتمع الديمقراطي. الحكومة الحالية مثل سابقتها تخل بواجباتها والتزاماتها ويتعين إبعادها.
القيام بزيارة الى الجنوب يكشف النقاب عن ان الامر لا يتعلق بـ "غلاف غزة" وانما بـ "خاطف غزة"، منطقة تزداد يوماً بعد يوم في أعقاب اخفاقات اولمرت ـ لفني ـ باراك. إضافة الى ذلك: هناك خشية من ان يؤدي هجوم فتاك بصورة خاصة الى سقوط الكثير من القتلى، الامر الذي يجر الحكومة من حالة اللامبالاة تقريبا تجاه مصير المواطنين في منطقة "خاطف غزة" الى رد فعل مندفع متهور على صورة حرب في غزة والتي تكون بمثابة لبنان الثانية.
قطاع غزة ليس دولة، هو كيان خاضع لسيطرة حكومة معادية، تتيح المجال امام الهجوم على اهداف مدنية وعسكرية اسرائيلية. مواطنون يُقتلون والكثير من المصابين يصابون بالصدمة النفسية والقلق، والحياة السليمة الطبيعية تتشوش تماماً. حتى عندما لم تكن هناك اصابات او تقع اضرار، وحتى عندما تتهرب الحكومة من الاعتراف بالواقع على أنه حالة الحرب. هذا هو الواقع السائد. لا شك ان في القطاع اشخاصاً كثيرين لا يشاركون في الاعمال الحربية، ولكنهم هم الذين انتخبوا حماس في انتخابات ديمقراطية نسبية. اليوم ايضا لا توجد مؤشرات احتجاج ضد هذا الحكم، ويبدو ان الجمهور عموماً يؤيد حماس.
دولة اسرائيل تتلعثم في مسألة كيفية التصرف مع حماس؟ هناك من يطالبون بحرب يكون هدفها اسقاط حماس من دون التفكير بالثمن، ليس فقط ارواح الجنود والمدنيين الاسرائيليين ورعايا العدو، وانما ايضا الاخطاء السياسية وغير الاخلاقية: حكومة اسرائيل قد تحول ضحايا الجيش الاسرائيلي الى طبق فضة لإقامة دولة فلسطينية. الخطر الكامن في نقل غزة لسيطرة سلطة الارهاب الفلسطينية اكبر من الخطر الكامن في حماس. من المحظور ان يستخدم جنود الجيش الاسرائيلي كطبق من فضة لإقامة دولة فلسطينية. ان كانت هذه النتيجة المرجوة من الحرب فهذا يعني اننا امام حرب غير اخلاقية ومن المحظور الخروج اليها.
ثمة اخرون، وتحديدا من انصار خطة "فك الارتباط" التي لم يتبق منها الا طرد اليهود، ينادون بتواصل التدخل في غزة وفي سخافة اللفتات الانسانية لرعايا العدو، حتى ان شكل هذا الامر خطراً على حياة الجنود والمدنيين الاسرائيليين ـ كما تبين من العمليات في المعابر الحدودية ـ وحتى لو كانت هذه السياسة تفضي الى تعزيز لواقع حماس. عندما توفر اسرائيل احتياجات السكان في غزة فهي تعفي الحكم هناك من مسؤوليته تجاه رعاياه وتفرغه للانشغال في زيادة قوته العسكرية تحضيرا للحرب، كما تصرف حزب الله عندما اتاحت له اسرائيل الاستعداد.
من المحتمل ان لا يكون هناك مفر من الحرب، ولكن من المحظور ان تبدأ هذه الحرب من دون شرطين مسبقين: الشرط الاول، تقدير المخاطر بصورة مسبقة ـ الامر الذي كان من المفترض ان يتم فعله ـ وفي اطار ذلك يتم درس كل التداعيات بالنسبة لمواطني اسرائيل ومواطني العدو والجبهات الاخرى وقوة الردع الاسرائيلية وما الى ذلك. ليس واضحاً ان كان قد حصلت عملية تقدير للمخاطر بشكل اساسي قبل الخروج الى حرب لبنان الثاني 2006.
الشرط الثاني الذي لا يقل اهمية عن الشرط الأول، هو تحديد اهداف الحرب. الهدف يجب ان يكون تحطيم قوة حماس العسكرية، ولكن ليس اسقاطها. الجرعة يجب ان تكون متناسبة مع الهدف، ومن المحظور ان يكون الهدف اسقاط حماس ونقل الحكم الى ابو مازن. حماس هي الافضل مقارنة مع فتح توأمها. حماس هي عدو ظاهر ومعلن، والأثمان السياسية التي ندفعها لمواجهتها منخفضة. اما فتح فعدو ذو اهداف مشابهة لاهداف حماس ولكنه يطرح كطرف معتدل، واولمرت ـ لفني ـ باراك مستعدون لدفع الثمن لهذا الطرف باثمان فتاكة بالنسبة لاسرائيل.
الدولة الطبيعية السليمة لا تمد اعداءها بالغذاء والدعم الانساني وبالتأكيد ليس بالوقود والكهرباء والاسمنت التي تستخدم في آلته الحربية. محاصرة العدو ومنع وصول الامدادات اليه بما في ذلك المواطنين الخاضعين تحت سيطرته كانت عبر التاريخ الانساني وسيلة مقبولة لاخضاع العدو. بريطانيا لم تتورع عن فرض حصار بحري على ألمانيا، ولا عن القصف الجوي أيضا تجاه اهداف مدنية واقتصادية لانهاء الحرب والوصول للسلام.
الخلاصة: يتوجب تعزيز الحصار على القطاع بدلاً من تشكيل خطراً على المواطنين والجنود الاسرائيليين من خلال امداد العدو بالوقود. من الممكن توفير الاحتياجات الطبية والوقود للمولدات في المستشفيات بصورة جزئية كلفتة انسانية. وعلى اية حال يتوجب التوضيح لحماس وللصدّيقين المزيفين الذين ينشطون من اجلها، ان المسؤولية عن منع كارثة انسانية ملقاة عليها كحكومة. ففي يدها امكانية تخفيف الحصار من خلال تسليم صواريخ القسام مقابل الغذاء. في المقابل محظور مواصلة سخافة التسليم باطلاق صواريخ القسام على سديروت واعطائهم الغذاء لغزة في المقابل. من المحظور ان تكون اللفتات الانسانية من دون مقابل، وانما فقط مقابل تسليم الاسلحة الموجودة بيد العدو وايقاف عمليات تهريب السلاح التي تشكل امداداً حراً لحماس من مصر.
ملاحظة للختام: من المحتمل ان يؤدي تعزيز الحصار تحديداً الى الحيلولة دون نشوب حرب دموية في قطاع غزة. هذا هو السبيل ايضاً لاطلاق سراح جلعاد شليط. ربما سيؤدي هذا التبرير لمجريات الامور الى فتح العيون العمياء في القدس.
(رئيس دائرة البروفيسورين للمنعة الاقتصادية والسياسية، هيئة ذات ميول يمينية)
("اسرائيل اليوم" 23/12/2008)
ترجمة: عباس اسماعيل




















