إذا ما انتقلت اسرائيل من الحصار الاقتصادي الى الحرب المباشرة على قطاع غزة، فالمضاعفات لن تكون بالسهولة التي يتصورها المسؤولون الاسرائيليون الذين يصعّدُون لهجة التهديدات مع قرب الانتخابات، لأن الاكثر تشدداً هو الذي يحظى بالتأييد الاقوى وفق كل استطلاعات الرأي. فنيران غزة ليس مضموناً ان تبقى محصورة في غزة. فضلاً عن حسابات الخوف من امتداد النيران، فإن العملية السياسية ستكون اولى ضحايا التصعيد الاسرائيلي وتالياً كل ما يحكى عن مسار انابوليس والمضي في التفاوض بين السلطة الفلسطينية واسرائيل سيصير من الماضي.
واذا كان التصعيد يستخدم مادة انتخابية شيء، واذا كان يستخدم مقدمة لعمل على الارض، شيء آخر. والملاحظ ان ليفني ونتنياهو المتنافسين الرئيسيين في الانتخابات المقبلة هما الاكثر استخداماً للغة التهديد مما يعطي انطباعاً بأن من مصلحتهما إجراء الانتخابات في اجواء الحرب. أما اذا انتقلت التهديدات الى حيز الفعل فإذذاك تتغير الحسابات، وأقل ما يمكن استنتاجه هو ان اسرائيل لا تريد إشعال حرب في غزة فقط، وإنما تريد أخذ المنطقة الى واقع جديد على ابواب العهد الاميركي الجديد.
ولا بد هنا من الأخذ في الاعتبار الحسابات الاقليمية بدقة عند الذهاب الى الحرب في غزة. فاسرائيل اذا ما حاولت إطاحة "حماس" فهي بذلك لا تسدي خدمة الى السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، لأن السلطة ستكون اول المتضررين من الحرب على غزة.
وخارج فلسطين سيترتب على الحرب توتر اقليمي يصعب التنبؤ في أي اتجاه سيقود. فانتقال الشرارة الى مكان آخر قد تكون أسرع مما يتصوره البعض، والحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز 2006 أتت بعد أقل من 15 يوماً من التصعيد الاسرائيلي العسكري في قطاع غزة عقب أسر "حماس" وفصائل أخرى الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليت.
ولعل المحاذير الاقليمية هي التي تمنع اسرائيل من اعتماد الحرب خياراً وحيداً في غزة، وتبقي قناة الاتصال مع مصر، علماً أن القاهرة تحاول بشتى السبل إبعاد كأس غزة عنها، وعدم الخوض في تحمل المسؤولية سواء في ما يتعلق بفتح معبر رفح، او حتى بتجديد جهود الوساطة للتوصل الى فترة تهدئة جديدة بعد الخيبة التي أصابت المصريين نتيجة إعراض "حماس" عن لقاء الحوار الفلسطيني – الفلسطيني الذي كانت مصر قد ضربت له موعداً في تشرين الثاني الماضي. وليس خافياً التوتر الذي سببه الحصار على غزة بين مصر وسوريا.
ولكن اذا كانت اسرائيل تبحث في النهاية عن تصعيد التوتر الاقليمي كي تملي على ادارة الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما اتخاذ خيارات راديكالية حيال غزة وسوريا وايران، فإن نشوب حرب شاملة قد تفضي الى غير ما تتوقعه اسرائيل من نتائج، حتى ولو كانت الولايات المتحدة الى جانبها، لا سيما ان حرب تموز لا تزال طرية في اذهان الاسرائيليين.
واذا تعذّر حصر الحرب في غزة وكذلك نتائجها، فإن ذلك قد يجعل اسرائيل تفكر مئة مرة قبل اتخاذ قرار بشن هجوم شامل على القطاع. لكن ذلك لن يمنعها من شن هجمات محدودة للتذكير بأن الجيش الاسرائيلي جاهز للتحرك اذا لم تقبل "حماس" بتجديد التهدئة بالشروط الاسرائيلية. لكن هذا التفكير الاسرائيلي يصطدم بواقع ان "حماس" ليست في مصلحتها العودة الى التهدئة التي كانت سائدة منذ حزيران، لأن تهدئة من دون فك للحصار ليست في مصلحة الحركة كما أظهرت الاشهر الستة الاخيرة.
انها مرحلة زاخرة بالحسابات، وأي قرار يتخذ لن يكون سهلاً.
"النهار"




















