ما القاسم المشترك بين السودان وبلجيكا؟
نظريا لاشيء. عمليا البلدان يسيران نحو التقسيم والتجزئة والطلاق الداخلي، لكن كل على طريقته.
في السودان، اهل الجنوب بات لديهم من الذرائع ما يكفي لفك اللحمة والابتعاد عن الخرطوم. فالقاعدة الشعبية مشبعة بالاحساس بالتهميش وبان ابناءها مواطنون من الدرجة الثانية في بلدهم، والقيادة الرسمية لهذه المنطقة قالت كلمتها ومشت… وسيمشي معها التقسيم بعدما اعلن زعيمها ميارديت سالفا كير انه سيصوت بنعم للانفصال، مما يعني ان الطلاق حاصل في حال اجري الاستفتاء في موعده او لم يجرَ.
في بلجيكا، الفلمنكيون الناطقون الهولندية، لم يعودوا يطيقون صبراً على التعايش مع الفرنكوفونيين. فلا الطرفان استطاعا ان يتوصلا الى اتفاق على ائتلاف حكومي بعد مرور نحو ستة اشهر على اجراء الانتخابات النيابية، ولا هما قادران على تسوية خلافات مزمنة بينهما عمرها من عمر الكيان البلجيكي المولود عام 1831. وهكذا كسرت “التابوات” وصار الحديث عن “الطلاق” كانه واقع فعلا، وبات عاديا ان تصدر الصحف المحلية بعناوين مثل “تبخر بلجيكا”، أو “اختفاء بلجيكا عن الخريطة”، أو “نحو زوال الوهم”.
المفارقة الاولى ان النظام الفيديرالي البلجيكي اعتبره الكثيرون في السودان ومثلهم في لبنان والعراق نموذجاً يمكن الاقتداء به للخروج من اشكاليات انظمتهم القائمة على التنوع الديني او الاتني او الثقافي. واذ بهذا النموذج القدوة ينهار مثلما تنهار اليوم الوحدة الشكلية في السودان او العراق او حتى في لبنان.
المفارقة الثانية ان تجارب الانفصال والانقسام شاعت وكثرت بعد انتهاء الحرب الباردة (تشظي جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، تفكك الاتحاد اليوغوسلافي السابق، تقسيم اثيوبيا واندونيسيا وتشيكوسلوفاكيا وحاليا جورجيا والسودان). وكان يشاع ان هذه التجارب حدثت في دول كانت خاضعة لتوتاليتاريات متنوعة تفرض ارادتها على الآخرين بالاكراه، وتاليا فما كادت قبضة هذه التوتاليتاريات تضعف حتى تحرك تحتها جحر الافاعي الانفصالية الذي كان مغلقا بحجر.
صحيح ان لوثة الانفصال والتقسيم كانت تخيم احيانا فوق سماء الديموقراطيات الغربية لاسباب كثيرة منها الاتني والطبقي واللغوي والديني والمناطقي، مثلما يحدث في شمال ايطاليا اللومباردي وفي الباسك الاسباني والكورسيكي الفرنسي وفي ايرلندا وغيرها. لكن هذه اللوثة لم ترسم جرحا عميقا يكرس انفصالا فعليا مثلما يحدث اليوم في المملكة البلجيكية.
المفارقة الثالثة ان الدول العظمى او الاقليمية الكبرى كانت لها اليد الطولى في تشجيع عمليات الانفصال التي حدثت ومساندة اطرافها ومدهم بالدعم السياسي والمعنوي والمادي والعنفي اذا لزم الامر. فكم من قرار دولي صدر دعما لانفصال الجمهوريات اليوغوسلافية وجنوب السودان وتيمور الشرقية واريتريا وغيرها. اما في الحالة البلجيكية فالصمت الدولي هو سيد الموقف الان، علما ان المستهدف الاول بالتقسيم ان وقع هو بروكسيل نفسها، وهي للتذكير عاصمة الاتحاد الاوروبي. هل سمع احد ما عن عقد قمة اوروبية طارئة لتدارس الوضع البلجيكي؟ هل حذرت دولة من دول الاتحاد من مغبة تقسيم عاصمتهم او شجعت على ذلك؟
لماذا الضجيج الدولي اليوم حول ما يجري في السودان ؟ ولماذا في المقابل هذا السكوت العالمي والاوروبي خصوصاً في الشأن البلجيكي؟
المفارقة الرابعة هي انه ما عدا حالة الطلاق التشيكوسلوفاكية، فان كل حالات الطلاق الاخرى تعمدت بانهار من الدماء ان في الحروب الاهلية او في الصراعات مع الجوار الجديد (البوسنة، كرواتيا، كوسوفو، صربيا، تيمور، الحرب الاثيوبية – الاريترية، الحرب الروسية – الجورجية، اوسيتيا الجنوبية، ابخازيا، الثورات المخملية في اوكرانيا وقرغيزستان وجورجيا).
غالب الظن ان الطلاق البلجيكي ان وقع، سيكون سلسا كطعم الشوكولا البلجيكية الفاخرة وسيظل الملك والبيرة ومنتخب كرة القدم يجمعون بين الفلامنك والفرنكوفون. والارجح ان الطلاق السوداني سيكون دمويا صاخبا وسيكلف كل سنتيمتر من الارض المختلف عليها بين الشماليين والجنوبيين مئات القتلى.. ألم ينبه اوباما الى ذلك؟ ألا يؤشر كل هذا التكالب الدولي على السودان وهذا التشجيع على التقاتل الى ان استحقاق الاستفتاء لن يكون رحوما لا بالشماليين ولا بالجنوبيين؟
واذا كان البعض يعلل الحالة السودانية بغياب الديموقراطية، فلماذا عجزت هذه الديموقراطية في ذروة تجلياتها الاوروبية عن توفير التعايش للجناحين البلجيكيين؟ واذا ما توافرت الديموقراطية للسودان بالطريقة السائدة اليوم في العراق هل ستكف الدول المتخمة بالقوة والنفوذ والمتفلتة من كل قيد، شرها عن الدول الضعيفة والمتخمة بالخيرات والموارد؟
“النهار”




















