قرأت بالصدفة بعض ما كتبه فوزي شعيبي في كتابه ” شاهد من المخابرات السورية ” عن سيرة حياته خلال الفترة من عام 1955 وحتى العام 1968، وفي معرض الحقائق التي يدعي أنه أراد كشفها ونقلها للناس “بأمانة” من خلال هذا الكتاب، حقيقة جريمة اغتيال الشهيد فرج الله الحلو وتذويب جثته بالأسيد، حيث أكد فوزي شعيبي خلافاً للاعترافات التي أدلى بها المتهمون أمام قاضي التحقيق العسكري لدى المجلس العدلي في الجمهورية العربية السورية الرائد أحمد صبحي العادلي، حيث ادعى فوزي شعيبي في كتابه الصفحة 54 تحت عنوان “مقتل فرج الحلو” انه بحضوره اتصل نعسان زكار بعبد الحميد السراج وأخبره بواقعة مقتل فرج ، ثم أعلم نعسان مؤلف الكتاب أن الوزير عبد الحميد السراج قد تضايق جداً وطلب إجراء تحقيق وتقديم المسبب للقضاء ، ثم يجزم الشعيبي أنه جرى تحقيق بحادثة الوفاة ومحاكمة المتسبب بها.. وأنه علم من موظفي الفرع أنه تم دفن جثة القتيل فرج الله الحلو في مقبرة الدحداح بدمشق ، وينفي أية علاقة للسراج بهذه الحادثة التي اعتبرها تصرف فردي …
ولا نريد أن نجزم بأننا نقول الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة مثلما فعل مؤلف الكتاب بدفاعه المستميت عن أفعال عبد الحميد السراج، وإنما سنترك للقارئ الحكم فيما إذا كان مؤلف الكتاب يقول الحقيقة فعلاً أم يطمسها ؟ بعد أن نورد إفادة كل من صاحبه نعسان زكار وسامي جمعة أمام قاضي التحقيق العسكري لدى المجلس العدلي في سوريا آنذاك، فقد جاء في إفادة نعسان زكار في المحضر رقم 2 تاريخ 25/12/1961 وإفادته في المحضر رقم 61 تاريخ 7/2/1962 : ( .. فاتصل هاتفياً بمنزل عبد الحميد السراج فلم يجده ، فعاود الاتصال في اليوم التالي وذكر له الحادث فأبدى دهشته وطلب مقابلة مع ناصر وبهجت ، وأعادوا عليه ذكر الحادث واقترحوا إطلاع النيابة العامة ، وقال السراج أنه كان ينوي إخبار النيابة العامة إلا أن ذلك يترتب عليه تسليم الجثة إلى ذويها وسيكون ذلك فرصة ذهبية للشيوعية لمهاجمة الجمهورية العربية المتحدة ، وربما تعرض الجثة في الأمم المتحدة ، لذلك فإنه مضطر لعدم إخبار النيابة العامة واعتبار الموضوع منتهيا وسيدرسه”.
أما سامي جمعة فقد جاء في إفادته بالمحضر رقم 16تاريخ 6/1/1962 ( وحضر عبد الوهاب وقال -لفرج الله الحلو- إنك لصيد ثمين وتناقش مع فرج الله الحلو وقذفه بكأس وصار يضربه بعصا حتى تكسرت ، ثم أمر بوضعه في الفلقة.. فركله رفيق رضا بقدمه ، فأقدم سامي ونصح عبد الوهاب لوجود الكورامين فنهره بكوعه وأنه أعلم عبد الوهاب بإصابة فرج الله الحلو بمرض القلب ، لما شاهده ينفخه ويستعمل الكهرباء معه فخرج إلى الحديقة وتردد إلى الصالة فشاهد أن الضرب مازال مستمراً فخرج وذهب إلى مزرعته .. وحضر إليه سعيد مخللاتي وأعلمه بوفاة فرج الله الحلو ، وأن النقيب نعسان زكار يطلبه ، فذهب إلى المفرزة فشاهد ناصر صالح وعبد الوهاب الخطيب ونعسان زكار وبهجت مسوتي ووجيه أنطاكي مجتمعين ، فطلب إجراء التحقيق عن الوفاة، اقترح نعسان إرسال الجثة إلى البحر واقترح بهجت إذابتها بالأسيد وانصرفوا ، ورفض سامي العمل فاستدعاه السراج وطلب منه متابعة العمل ووعده بإعطائه وثيقة تثبت براءته.. فعاد إلى عمله وعلم من بعض الموظفين أن جثة فرج نقلت وأخذها وجيه لتذويبها وأن نعسان أشرف على ذلك ورأى نعسان وعبد الوهاب يودان الذهاب إلى دار وجيه للإشراف على عملية التذويب”.
وهنا نسأل مؤلف الكتاب فوزي شعيبي إذا كان عبد الحميد السراج حقاً ً قد تضايق لدى سماعه خبر مقتل فرج الله الحلو وأنه أمر بإجراء تحقيق في الأمر، وإحالة القضية إلى القضاء وأنه تمت محاكمة الفاعل، فلماذا لم يذكر لنا الكاتب كيف ومتى تمت المحاكمة ؟؟؟.، ولماذا لم يعترض عبد الحميد السراج على محاكمته أمام قاضي التحقيق في العام 1961، ولماذا لم يدفع بأنه سبق أن تم التحقيق في الموضوع وتمت محاكمة المسؤولين عن مقتل فرج الله الحلو على قاعدة أنه لا تجوز الملاحقة مرتين لنفس الجرم؟ أم أن المؤلف لم يعلم أن الدعوى العامة بمقتل فرج الله الحلو لم يتم تحريكها مطلقاً في عهد عبد الحميد السراج ؟ بل تم تحريكها بعد سقوط حكم عبد الحميد السراج بنحو شهرين، عندما جاء المحامي اللبناني ميشيل عقل من بيروت وقدم شكوى أمام قاضي التحقيق العسكري لدى المجلس العدلي في سوريا بتاريخ 1/11/1961 أي بعد نحو سنتين من مقتل فرج الله تحت التعذيب في أقبية مخابرات السراج. ولمزيد من الإيضاح حول هذا الأمر نورد فيما يلي مقطعاً من قرار الاتهام الصادر عن قاضي التحقيق العسكري الذي تولى التحقيق في قضية مقتل الشهيد فرج الله الحلو اعتباراً من تاريخ 1/11/1961:
( باسم الأمة
نحن الرائد أحمد صبحي العادلي قاضي التحقيق لدى المجلس العدلي ، بعد الإطلاع على أحكام المرسوم التشريعي رقم 169، تاريخ 6/12/1961 المتضمن تشكيلات واختصاصات المجلس العدلي، وعلى الشكوى المقدمة من المحامي الأستاذ ميشيل عقل من بيروت ، وبالوكالة عن فرجيني يوسف الحلو أرملة المرحوم فرج الله الحلو وبالأصالة عن نفسها ووصيتها على بناتها القاصرات وهنّ :بشرى ونجوى وندى ، بحق المدعى عليهم عبد الحميد السراج وعبد الوهاب الخطيب وسامي جمعة وكل من يظهره التحقيق من الموظفين السابقين ..أنه فاعل أو مشترك بجريمة القتل وعلى الإدعاء رقم 1وتاريخ 1/11/1961 والمتضمن ملاحقة المدعى عليهم : عبد الحميد السراج وعبد الوهاب الخطيب وسامي جمعة بجرائم توقيف المواطن فرج الحلو بصورة غير مشروعة وإيقاع التعذيب الجسدي وقتله وذلك خلال الفترة الواقعة بين 22/1/1958 و28/9/1961 وأثناء توليهم وظيفة عامة في وزارة الداخلية).
ثم يورد القرار صوراً مرعبة عن عملية تعذيب وقتل فرج الله الحلو وتقطيع جثته بالمنشار ثم تذويبها بالأسيد، وقد وردت تلك الصور في إفادة سامي جمعة بالمحضر رقم 16تاريخ 6/1/1962 وكذلك إفادته بالمحضر رقم 20 ورقم 60 ، وفي إفادة المدعى عليه وجيه أنطاكي بالمحضر المؤرخ في 15/11/1961 وبالمحضر رقم 64 تاريخ 1/1/1962 وكذلك إفادة المدعى عليه نعسان زكار في المحضر رقم 2 تاريخ 25/12/1961 وإفادته في المحضر رقم 61 تاريخ 7/2/1962 وإفادة المدعى عليه سعيد مخلللاتي في المحضر رقم 3/تاريخ 25/2/1962وإفادة محمد ياسين حب الله بالمحضر رقم 5تاريخ 26/1/1962 وإفادة المدعى عليه رفيق رضا بالمحضر رقم 10 تاريخ 26/12/1961 وإفادة المدعى عليه بهجت المسوتي بالمحضر رقم 10 تاريخ 30/12/1961 وإفادة المدعى عليهم أحمد السراج ومحمد طالب السادات والشرطي عبد القادر اللحام والشرطي زيدان مهنا ومروان السباعي وناصر محمد صالح ، حيث أكدوا جميعهم خبر اعتقال فرج الحلو وتعذيبه حتى الموت ثم تقطيع جثته بالمنشار وتذويبها بالأسيد.
فهل تجنّى جميع هؤلاء المدعى عليهم على عبد الحميد السراج و سامي جمعة وعبد الوهاب الخطيب ونعسان زكار وهم الذين كانوا أعواناً للسراج في تسلطه على السوريين، ولم يسلم من بطشه واضطهاده ليس الشيوعيين وحسب، بل والقوميين أيضاً وحتى البعثيين والكثير من السوريين؟؟ وهل تجنى غسان زكريا على السراج وهو عديله، عندما وصفه بالسلطان الأحمر في إشارة إلى فسوته ودمويته في كتابه ” السلطان الأحمر” ؟؟
فالحقيقة تبقى ساطعة مهما حاول البعض طمسها أو تشويهها. وإن دفاع المؤلف عن عهد عبد الحميد السراج لا يلغي حقيقة ثابتة أن عهد عبد الحميد السراج كان من أسوأ مما مر على سوريا في عصرها الحديث.. ولدينا الكثير مما نكتبه حول هذا الأمر، ولكن نكتفي بهذا القدر، فالحاضر والمستقبل يبقى أهم بكثير من استحضار الماضي.




















