[ الكتاب: الدولة والمجتمع
[ الكاتب: عبدالاله بلقزيز
[ الناشر: دار الطليعة 2010 بيروت
يتناول الدكتور عبدالإله بلقزيز، في كتابه “الدولة والمجتمع” جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر. قائلاً فيه انه ليس بحثاً نظرياً في الدولة والمجتمع، ولو أنه يدعو إلى وجود تدشين تفكير نظري في مسائل الدولة والسلطة والمجتمع المدني في الفكر العربي. انه بالأحرى تأمل في جدلية حادة وشديدة التوتر، تحكم الاجتماع (المجتمع) العربي المعاصر؛ هي جدلية التوحيد والانقسام التي تشتغل في نسيجه الداخلي باحتدام، وتضعه وظاهراته المختلفة في حال من المراوحة المديدة بين التماسك النسبي والتشظي المتسع نطاقاً، ومن النافل القول ان التفكير في هذه الجدلية يمر، حكماً، بالتفكير بالدولة والمجتمع في البلدان العربية المعاصرة بحسبانها مسرح تلك الجدلية، والفاعل الكبير في إنتاج ديناميتها، والجهة التي ترتد عليها نتائجها: إيجاباً في النادر وسلباً في المعظم، لذلك سنلاحظ الحيز الكبير الذي أفرده المؤلف لاشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع بما هي اشكالية الأم التي يندرج في نطاقها بحث الجدلية التي عنى بها الكاتب.
وحسب الكاتب: ان فكرة هذا الكتاب نشأت عن ملاحظة حالة الاستفحال المتزايد للانسداد السياسي التي ترزح تحته البلدان العربية المعاصرة فيمنعها من التقدم أو من فتح الأفق نحو التقدم. ويضغط على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي فيها إلى الحد الذي يأخذ تناقضاتها الاجتماعية إلى التعبير عن نفسها في صور من العنف الأهلي التي تنذر بالانفجار الكلي بعد أن جرى شيء منه جزئياً في بعض من تلك البلدان (لبنان والصومال نموذجاً) لكنها نشأت أيضاً (أي فكرة الكتاب) عن ملاحظة طغيان تفكير ايديولوجي وانتقائي لظاهرة الانسداد السياسي تلك، فالغالب على مَن يتناولها أنهم يستسهلون الانطلاق من مقدمات مبسطة ومريحة للوصول إلى استنتاجات تصدر عنها حكماً، وكأنها نتائج تحليل أو نتائج عاد إليها التحليل!
لم يكرس الكاتب مساجلة هذا الضرب من التناول، وإنما أراد مساحة للتعبير عن قراءة أخرى بأنها تركيبة وجدلية لظاهرة الانسداد وما تقود إليه من نتائج كارثية، وللجدليات والديناميات العميقة التي تصنعها في الاجتماع العربي المعاصر، وهي قراءة حاولت أن تستثمر كثيراً من مفاهيم ومناهج علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي والتاريخ وتاريخ الفكر، وان تصون الحد الأدنى من تقاليد اللغة النظرية من دون أن تفرط في حقها المشروع في بعض النقد الايديولوجي الذي تحمل عليه الضرورة أحياناً. ومع ان الكتاب ليس نصاً نظرياً في الدولة وفي مسائل الاجتماع السياسي الذي لم يبارح صفحاته، ولكنه أيضاً لم يدفع الكاتب إلى افتعال حديث نظري في موضوع ملموس هو الاجتماع السياسي العربي المعاصر إذا كان يدفعه إلى مقاربته ببعض العدّة النظرية، كما ان الكاتب اراد مدخل الكتاب مزدوجاً في مسألتين: الكتاب واشكاليته، واشكالية الدولة في نطاقها النظري.
ويمكن أن نعتبر ان هذا الكتاب دعوة إلى ثلاثة مطالب: إلى تفكير حقيقي في مسألة الدولة على الأصول النظرية، والارتفاع عن مستوى كلام العموميات السالب، والكف عن الثرثرة الايديولوجية في مسائل الاجتماع السياسي، ودعوة إلى نقد مزدوج للدولة والمجتمع على السواء وإلى القطيعة مع النظرة الانتقائية إلى الموضوع. ثم دعوة إلى أن ترفع النخب السياسية العربية درجة انتباهها إلى ما تأخذ مجتمعاتنا إليه بعض الخيارات السياسية الانتحارية من فتن أهلية (كما حصل في لبنان مثلاً) تدمر البقية الباقية من تلك المجتمعات. الكتاب في الحقيقة صرخة، صرخة في وجه الفتنة، وصرخة ضد الانتقائية الايديولوجية في التفكير وضد الخمول النظري والكسل المعرفي.
الكتاب في مجمله يقدم تفسيراً لكل ذلك بروح موضوعية وبصدق العالم والمفكر.
كل ذلك، يتناوله المؤلف بمعرفية ثقافية داعياً إلى التفكير في حالة الانقسام الثقافي التي تشهدها بلادنا العربية: إلى فهمها، وتوصيفها، وتحليل أسبابها وديناميتها وإلى نقدها. واما أن يكون الصراع الثقافي ظاهرة طبيعية في المجتمع، فلأسباب عديدة معلومة، منها انه يعبّر عن حالات موضوعية في التباين والاختلاف في الأفكار والايديولوجيات، أو من التعارض في المصالح بين الجماعات الاجتماعية المختلفة، (فئات، طبقات، نخب، جماعات اجتماعية فرعية)، المعبرة عن نفسها ثقافياً، أو عن حالات من التعبير الثقافي المختلف ذي الطابع الزمني لدى أجيال تمثل لحظات تاريخية متنوعة وتحمل معها خبراتها وسماتها ومتغيراتها المنعكسة جميعها على صعيد منظومات القيم الثقافية.
إن هذه الأنماط من الصراع الثقافي مألوفة وطبيعية في المجتمعات كافة، بسبب وجود الأسباب الاجتماعية الدافعة إليها، ولا ينجم عنها بالضرورة صدام ثقافي أو اجتماعي أو سياسي، إلا إذا وقع استغلالها سياسياً وعلى نحو سيئ، أي في الحالات التي تجد قوة اجتماعية ما مصلحتها في تركيب مشروع سياسي على حوامل ثقافية أو لغوية فرعية داخل الجماعة الوطنية الأم، إلى الانفصال مثلاً بدعوى تمايزها الثقافي أو اللغوي، وحين تسعى الجماعة الكبرى من خلال مطالبتها بحقوق تتجاوز وحدة الكيان الوطني أو تعرضها للخطر.
لا بد من استدراك لفهم الحالة المشار إليها فهماً دقيقاً أو مناسباً. لا يحصل الحراك الإيجابي وتبادل التأثير لمجرد ان الصراع الثقافي لا يتعرض لعملية تسييس تخرجه عن طوره كصراع ثقافي طبيعي في أي مجتمع. بل كلما توفر لهما شرط اساسي هو: وجود إجماع على قيم ثقافية عليا لا تقبل الانقسام المجتمعي عليها، وليس معنى ذلك ان هذا الإجماع يلغي الاختلاف أو بند الصراع. فالاختلاف حول تلك القيم العليا نفسها يستمر سارياً وقد يكون مبعث اجتهاد وتطوير وتجديد وحوار وإبداع. لكنه الاجماع الذي لا يكون عرضة لشرخ بدعوى التمايز الثقافي، أو قل الاجماع الذي لا يتسوغ الاجتهاد والاختلاف في الثقافة إلا على قاعدة التمسك به وفي نطاق قواعده وأحكامه.
وكما نعرف: ان الثقافة العربية عادت في الربع الثاني من القرن العشرين إلى جدلها العقيم بين تيارين، لكن في هذا الاستقطاب الجديد انكفأت فكرة خطاب الهوية، ووحدت فيه فكرة الحداثة مع المد الثقافي للفكرة القومية واندفاعها إلى حدود المواجهة. إلا أن السعي الحثيث لقيام الدولة الحديثة، دولة المواطنة، لا بد آت بين المتطلعين إلى الكونية وبين الحريصين على الهوية والأصالة التاريخية، وبين المدافعين عن المثاقفة والحوار بين الثقافات وبين المتمسكين بفرضية صراع الحضارات والثقافات.
مراجعة: ياسين رفاعية
“المستقبل”




















