أولاً – في المقدمة
تتميّز مقدمة كلّ من وثيقتي “تيار المستقبل” (ربيع 2010) و”حزب الله” (شتاء 2009)، أنهما تنطلقان من “تجربة” و”خبرة” كل من التيار والحزب. فالتيار يستلهم من تجربة الرئيس الراحل رفيق الحريري، فيما الحزب تتأتى رؤيته من خبرته في “أولوية الفعل وأسبقية التضحية”. فالأول يتعبر أنه لم يعد بالإمكان تأريخ المرحلة الممتدة من ثمانينات القرن الماضي “دون ربطها بإسم رفيق الحريري” وتجربته، والثاني يرى أنه لم يعد بالإمكان مقاربة التحولات الجارية حالياً من “دون ملاحظة المكانة الخاصة التي باتت تشغلها المقاومة أو تلك الرزمة من الانجازات التي حققتها مسيرتها”.
إذاً، إن كلّ من التيار والحزب يحاول أن يجد مكاناً له على الساحة اللبنانية، مع التشديد على أولوية خبرته أو تجربته. المستقبل يرى في تبلور مشروع رفيق الحريري، السياسي والوطني والاقتصادي والاجتماعي، البرنامج الأول من نوعه للحكم في لبنان وبناء الدولة الحديثة. هذا من الناحية المحلية، أما من الناحية الإقليمية أو العربية، فإن أهم البنود التي طرحها رفيق الحريري، بحسب هذه الوثيقة، هي “تجديد العروبة وتحديثها لجعلها رابطة منفتحة وديموقراطية وجامعة […] تتجسد بفكرة التعاون العربي الذي هو مشروع العرب المستقبلي ومدخلهم إلى تجديد حضورهم في عالم اليوم”. هذا المشروع قائم على المعرفة والعلم، وعلى أساس الحريات العامة والمحاسبة والديموقراطية. أما “حزب الله”، فساحته أوسع من ساحة التيار – المقتصرة على لبنان والعالم العربي – إنها “المشهد الدولي” الواسع. لبنان، ليس سوى نقطة إنطلاق، لتتحول من بعده “مقاومة” “حزب الله” من “قيمة وطنية لبنانية” تدحر الاحتلال الإسرائيلي وتؤثر في بناء الدولة “القادرة العادلة”، إلى “قيمة عربية وإسلامية”، لا بل “قيمة عالمية وإنسانية”، هدفها “استنهاض الأمة” – والأمة هنا هي الأمة الإسلامية – وإمالة موازين القوى في المعادلة الإقليمية لمصلحة المقاومة وداعميها.
إن مجرّد قراءة هاتين المقدمتين تظهر لنا الفوارق الكبيرة في مشروعَي كل من التيار والحزب، إن على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي. وسوف نبيّن في ما يلي هذه التمايزات في مشاريعهما التي تنبئ بمسيرة صعبة من التعايش ما بين أكبر ممثلين للطائفتين السنية والشيعية في لبنان.
ثانياً– في النظرة إلى الدولة اللبنانية والنظام السياسي
1 – اتفاق الطائف
من أبرز التمايزات الواردة في وثيقتي التيار والحزب، نظرة كل منهما إلى وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف في العام 1989. ففي حين يرى “تيار المستقبل” أنها “تشكل المساحة الآمنة للسلم الأهلي في لبنان”، معبّراً عن ارتياحه لما حققته من “إصلاحات سياسية لجهة إعادة توزيع الصلاحيات داخل الدولة وتثبيت الهوية والانتماء العربيين” (الثوابت الوطنية؛ النقطتان الثالثة والرابعة)، نجد الحزب يلجأ الى صيغة “الديموقراطية التوافقية” غير الواردة في اتفاق الطائف كضمانة سياسية لمشاركة حقيقية من قبل الجميع، مشدداً على أنها عامل ثقة مطمئن لمكونات الوطن. حتى إنه يذهب إلى حدّ اعتبارها تساهم في فتح أبواب الحوار للدخول في مرحلة بناء “الدولة المطمئنة” (الفصل الثاني؛ ثالثاً: الدولة والنظام السياسي).
غير أنه لا بدّ من ذكر أن “حزب الله” يذكّر في مكان واحد بوثيقة الوفاق الوطني وهو في سياق توصيفه لمشكلة النظام السياسي. فهو يرى أن مشكلة الأخير تكمن في اعتماد “الطائفية السياسية”. أما الحلّ فلا يكون إلا بإلغاء الأخيرة كما ينصّ اتفاق الطائف، وذلك من خلال تشكيل الهيئة الوطنية لإنجاز هذا الأمر. وهنا لا ضير من التذكير بأن مهمة هذه الهيئة ليست إلغاء “الطائفية السياسية”، بل دراسة وإقتراح الطرق الكفيلة “بإلغاء الطائفية” – وهنا الطائفية بمعناها الواسع أي بما يتعدى الطائفية السياسية – وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء وفق خطة مرحلية.
إذاً، فإن ما يعتبره “تيار المستقبل”، جسرا للعبور إلى السلم الأهلي والوطني وإلى دولة الحرية والتوازن والمساواة، لا يشكلّ بالنسبة الى “حزب الله” ضمانة لمشاركة حقيقية من قبل الجميع، ولهذا نراه يطرح “الديموقراطية التوافقية كقاعدة أساس للحكم في لبنان”، ذلك أنها برأيه التجسيد الفعلي لروح الدستور ولجوهر ميثاق العيش المشترك. فما يعده “تيار المستقبل” ثابتة، ليس عند “حزب الله” إلا اتفاقا يجب تجاوزه، أولاً من خلال اعتماد “الديموقراطية التوافقية” وثانياً من خلال إحلال “ديموقراطية صحيحة”، وإلغاء “الطائفية السياسية” يمكن في ضوئهما أن تحكم الأكثرية المنتخبة وتعارض الأقلية المنتخبة.
2 – الدولة المرجوة من قبل كل من التيار والحزب
يلتقي “تيار المستقبل” و”حزب الله” على العديد من الأمور بالنسبة للدولة المرجوة منهما. فنراهما ينشدان احترام الحريات العامة، والتمسك بالوحدة الوطنية، والسلطة القضائية المستقلة، واللامركزية الإدارية، والإنماء المتوازن، وتمكين التعليم الرسمي، واعتماد الكفاءة في التوظيف، والاعتناء بالشباب، ومكافحة أسباب الهجرة، والكثير غيرها من النقاط. إلا أنهما يتمايزان في نقطتين أساسيتين: أولاهما مسألة حصرية السلاح بيد الدولة وبالتالي إشكالية المقاومة، وثانيتهما مسألة الدولة المدنية.
أ – مسألة السلاح والمقاومة
يشدد “تيار المستقبل” في البند الأول من فصل “إصلاح الحياة السياسية” أن الدولة القادرة هي الدولة التي توفر الأمن لجميع اللبنانيين. ولهذه الدولة “الحق الحصري في امتلاك القوة المسلحة”. أما مسألة حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، فهي تتمّ من خلال احترام القرار 1701 و”وضع الأسس العملية للمحافظة على سيادة لبنان”. وذلك دون أي تدخّل خارجي من خلال “أحزاب أو ميليشيات تابعة له”، وفي هذا تلميح مباشر إلى “حزب الله” والمحور الإيراني – السوري الذي يدعمه. غير أن “تيار المستقبل” لا يشرح لنا ما هي هذه “الأسس العملية”، كما أنه لا يوضح لنا رؤيته لكيفية حماية لبنان من اعتداءات دولة كإسرائيل.
في ما يتعلّق بـ”حزب الله”، فإن نظرته الى هذا الأمر تتناقض تناقضاً تاماً مع ما يدعو إليه “تيار المستقبل”. فأهمية “المقاومة” أو “سلاح المقاومة” بحسب وثيقته، دفعته إلى اعتبارهما “قيمة لبنانية – وطنية، وعربية – إسلامية، وعالمية – إنسانية”. وبالتالي إنها تلامس عنده حدّ القداسة. لا بل إن كل مشروع “حزب الله” السياسي، يقوم على محورية مشروع المقاومة في لبنان والمنطقة مربوطاً بأهداف، ليست وطنية أو قومية فحسب، بل هي أهداف دينية، أهمها استنهاض الأمة الإسلامية وتحرير الأراضي المقدسة كالقدس.
إن الدلالة الأبرز على أولوية مشروع المقاومة بالنسبة لـ”حزب الله”، أولاً في الشكل. ذلك أن مقدمة وثيقته ليست إلا مرافعة إيديولوجية لمشروع المقاومة. أما في الفصل الثاني بعنوان “لبنان”، فإن بند “المقاومة” يأتي في المرتبة الثانية بعد بند “الوطن” وقبل البند الثالث المتعلّق بـ “الدولة والنظام السياسي”.
هذا من ناحية الشكل، أما من ناحية المضمون، فإن “حزب الله”، وبعد أن يعرض معادلته الضامنة لحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية القائمة على ثلاثية المقاومة و”الشعب الوفي” و”الجيش الوطني”، يعتبر أن مقاومته ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الإسرائيلي ودوام أطماع العدو الإسرائيلي في أرض لبنان ومياهه، ودوام غياب الدولة القادرة (الفصل الثاني؛ ثانياً: المقاومة). فالمقاومة في نظر “حزب الله”، ليست إلا النتيجة الحتمية لخلل التوازن ما بين الدولة اللبنانية الضعيفة والعدو الإسرائيلي. ففي هذه الحالة لا بدّ من البحث عن صيغ للدفاع عن لبنان. من هذه الصيغ “المزاوجة ما بين وجود مقاومة شعبية […] وجيش وطني يحمي الوطن ويثبت أمنه واستقراره”. إذاً، المعادلة واضحة بالنسبة لـ”حزب الله”، فطالما أن الدولة في لبنان ضعيفة، فإن من واجب الجيش الاهتمام بالأمن والاستقرار الداخليين، في وقت تقوم المقاومة بالدفاع عن لبنان ضدّ إسرائيل. أما ما يرفضه التيار من التدخلات الإيرانية في سياسة لبنان الدفاعية، فإن الحزب يعتبره “دعماً بأشكاله كافة بقيادة ولي الفقيه” (الفصل الثاني، سادساً: لبنان والعلاقات الإسلامية).
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن “حزب الله” أسقط في وثيقته هذه، “الحدّين” اللذين تكلّم عنهما في ورقة تفاهمه مع “التيار الوطني الحر” (الموقعة في 6 شباط 2006)، وهما: الاستناد إلى الإجماع الوطني، وتحديد الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى انتفاء هذا السلاح. فما يقوم به الحزب في هذه الوثيقة هو؛ أولاً، فرض استراتيجيته الخاصة، والمتجسّدة بالأمر الواقع على الأرض حالياً؛ وثانياً، عدم تحديد الظروف الموضوعية لانتفاء هذا السلاح، بل ربطه بالتهديد الإسرائيلي الدائم، الذي لا يزول – بحسب الحزب – إلا بزوال إسرائيل.
ب – الطائفية والدولة المدنية
تعبّر النقطة المتعلقة بمبدأ الدولة المدنية في وثيقة “تيار المستقبل”، تعبيراً صادقاً عن مدى افتقار قاموس هذا التيار لمفاهيم الدولة المدنية، وجهل شبه تام بمفهوم العلمانية. فبالنسبة للمفهوم الأول، نرى “تيار المستقبل” يلجأ، بشكل شبه حرفي، للوثيقة الصادرة عن المجمع البطريركي الماروني (الملف الثالث “الكنيسة المارونية وعالم اليوم”، فصل “الكنيسة المارونية والسياسة”) حيث يؤكّد على أن الدولة المنشودة من قبله هي الدولة المدنية التي تستطيع التوفيق بين البعد الفردي الذي تقوم عليه المواطنة والبعد الجماعي الذي يعبّر عنه التعدد الطائفي. وبالتالي فإن هذه الدولة هي “غير طائفية”، ولكنها في الوقت عينه “غير علمانية – بالمفهوم القديم للعلمنة – حيث لا تجد نفسها في حالة صراع مع طوائفها” (إصلاح الحياة السياسية؛ ثانياً). ومما يثير الاستغراب، أن التيار يميّز بين “علمانية قديمة”، و”علمانية جديدة ما” لا يذكرها. فيشرح الأولى شرحاً خاطئاً، ذلك أن العلمانية ليست أبداً تهديداً لوجود الطوائف، بل هي بالعكس تماماً ضمانة لوجودها وللتنوع ولحماية العيش المشترك، لا بل إنها ضمانة للفكر الحر والحق في البحث بحرية عن الحقيقة. أما الثانية فإنه لا يذكرها إلا ضمناً دون أي تحديد لها أو إيضاح. وهذا يعود ربما لضعف أو لغياب المفاهيم المدنية والعلمانية لدى هذا التيار، ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول “الدولة المدنية” التي ينشدها في وثيقته.
من ناحية أخرى، يغيب المفهوم المدني تماماً عن وثيقة “حزب الله”. ففيما يتعلّق بالطائفية في لبنان، نجد أنه يردّ إلى الطائفية السياسية كل مفاسد وعيوب النظام السياسي اللبناني، وذلك دون القيام بأية محاولة جدية لدراسة أسباب تعثّر هذا النظام. وهذا يطرح أيضاً العديد من علامات الإستفهام حول حقيقة فهْم هذا الحزب للواقع والتاريخ اللبنانيين. ولعلّ هروبه إلى “إلغاء الطائفية السياسية” ينمّ فعلاً عن عدم رغبته بطرح المشكل الأساس. وهنا يتساءل المرء: هل من الممكن أن يكون قد سها عن بال واضعي هذه الوثيقة، مسألة علاقة النظام السياسي اللبناني بالدين مثلاً؟ (على غرار ما قام به واضعو وثيقة المستقبل)؛ وكيف ذلك، وهذا الحزب كان قد طرح سابقاً، في وثيقة 1985، رأيه الواضح و”التزامه بحكم الإسلام” و”اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع”. فإما أن “حزب الله” – الذي لم يتطرّق إلى شكل النظام السياسي (مدني، إسلامي، طائفي) في هذه الوثيقة – لم يغيّر التزامه بالنظام الإسلامي بديلاً من النظام السياسي اللبناني الطائفي، وإما أن لا رؤية واضحة لديه. والأكثر غرابة، ومدعاة للتساؤل أيضاً، إسقاط هذه الوثيقة لنقطة مهمة جداً كان قد وقّع عليها في ورقة تفاهمه مع “التيار الوطني الحرّ”، ألا وهي “تحقيق المجتمع المدني”، هذا المجتمع الذي هو الخطوة الأولى لبناء الدولة المدنية العصرية.
في خلاصة هذا الإشكالية، لا التيار ولا الحزب لديهما تصور جدي أو واضح للدولة المدنية. فالأول يريدها مدنية، إنما غير واضحة المعالم، ودون أي أفق واضح لكيفية العلاقة ما بين الدين والدولة، فصلاً أم تمييزاً أم دمجاً، كما أنه يرفض “علمانية قديمة”، قام بتحديدها بشكل خاطئ، بالإضافة إلى سهوه عن تحديد “العلمانية الجديدة”، مما يدلّ على تخبّط وجهل واضحين. أما الحزب، فإنه يتهرّب من طرح الأمر علناً، وذلك إما أن لا تصوّر واضحا لديه، أو إنه لا يزال متمسّك بمشروعه تحويل لبنان دولة إسلامية.
ثالثاً – العلاقات اللبنانية – السورية
على الرغم من أن “تيار المستقبل”، ولدى مقاربته بشكل مباشر العلاقات اللبنانية – السورية، يعلن التزامه تعزيز العلاقات اللبنانية – العربية، ومن ضمنها تصحيح العلاقات اللبنانية- السورية على أساس المصالح المشتركة للشعبين ومبادئ الاحترام المتبادل والندية والصلات التاريخية (الثوابت الوطنية؛ النقطة الحادية عشرة)، إلا أنه يبدو أن مسألة التحقيق في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري تبقى أزمة عالقة لم يتمكن التيار من تخطيها في وثيقته السياسية. ولعل هذه الأزمة تتبدى في مقدمة الوثيقة، التي تعلن، ومنذ البدء، أن الخصم الأهم لمشروع الرئيس الحريري كان نظام “الوصاية والهيمنة”. هؤلاء عملوا ما بوسعهم لمنع المصالحات بين اللبنانيين وذلك بهدف الإبقاء على إنقسامات الحرب في ما بينهم ومنعهم من التوحّد.
ثم إن الوثيقة تذهب للدلالة شبه المباشرة إلى سوريا، وذلك عند قولها بأن الحريري خاض صراعاً يومياً مريراً مع “القوى التي دخلت لبنان بذريعة إنقاذه” – وهي إشارة واضحة إلى سوريا – هذه القوى التي مارست بحقه وبحق اللبنانيين تسلطاً وقمعاً ونهباً. غير أن الوثيقة لن تكتفي بالتلميح، بل إنها ستذهب، وبشكل مطرّد، لاتهام النظام الأمني اللبناني – السوري بمحاولة تأبيد هيمنته على لبنان، وصولاً إلى اللجوء لسياسة الإرهاب، ولإقدامه على جريمة اغتيال الرئيس الحريري، التي تصفها الوثيقة بأنها “أشنع جريمة”.
بالتالي، وبعد عرض “علاقة الخصومة” ما بين رفيق الحريري وسوريا، والذهاب إلى اتهام النظام الأمني اللبناني – السوري بعملية اغتياله، تشدد الوثيقة على أنه لا يجوز أن تطوى شعارات “انتفاضة الاستقلال” ولا سيما فكرة “العدالة”. إذن، هناك شرخ كبير ما بين “المستقبل” وسوريا – على الرغم من تصريحات الرئيس سعد الحريري الأخيرة لجريدة “الشرق الأوسط” – شرخ لا أفق لردمه بحسب هذه الوثيقة. ولربما هذا يشرح أسباب التذبذب في العلاقات وعدم وضوحها ما بين الرئيس سعد الحريري وسوريا. فما قيل في وثيقة سياسية كتعبير عن وجدان التيار، لا يمكن محوه بمقابلة إعلامية مع جريدة سعودية.
وفي ما يتعلق بـ”حزب الله”، فإنه، على غرار التيار، ينطلق في علاقته مع سوريا من حرصه على العلاقات اللبنانية – العربية. فهناك حاجة أكيدة إلى تضافر الجهود لتجاوز حالة الصراعات التي تشق الصف العربي (الفصل الثاني؛ خامساً: لبنان والعلاقات العربية). أما الطريقة الأفضل لتصليب الموقف العربي، فهو اعتماد خيارالمقاومة وإضعاف العدو الإسرائيلي. من هذا المدخل، يلج الحزب العلاقات مع سوريا التي سجلت برأيه موقفاً مميّزاً وصامداً مع العدو الإسرائيلي ودعمت حركات المقاومة، كما أنها سعت إلى توحيد الجهود العربية لتأمين مصالح المنطقة. على هذا الأساس، يؤكد الحزب على التمسك بالعلاقات المميزة بين البلدين بصفتها حاجة سياسية وأمنية واقتصادية مشتركة. غير أنه لا يسهو عن بال واضعي وثيقته الدعوة إلى إنهاء كل الأجواء السلبية التي شابت العلاقات بين البلدين والعودة بها إلى وضعها الطبيعي.
إذاً، وعلى الرغم من إجماع التيار والحزب شكلياً على العلاقات المميزة مع سوريا، فإنهما يفترقان جوهرياً. فالأول يتهمها بمخاصمة مشروعه السياسي، مشدداً على العدالة وعدم جواز التخلي عنها. في حين أن الثاني يجد فيها سنداً أساسياً لمشروعه السياسي والاستراتيجي الأساسي المتمثل بالمقاومة.
رابعاً – العلاقات اللبنانية الفلسطينية والموقف من عملية السلام
كون لبنان بلداً مؤسساً وعاملا في جامعة الدول العربية، فإن “تيار المستقبل” يجد من الطبيعي أن يقوم لبنان بالالتزام بميثاق هذه الجامعة، وخدمة القضايا العربية العادلة وفي مقدمها قضية فلسطين. فالأخيرة هي بالنسبة للتيار قضية العرب المركزية ومحور نضالهم التاريخي، وذلك في سبيل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، مع التأكيد على حق شعب فلسطين بالعودة إلى أرضه (الثوابت الوطنية).
وفي ما يتعلق بالوجود الفلسطيني على أرض لبنان، فإن التيار يدعو في البند السابع من فصل “إصلاح الحياة السياسية” إلى طي الصفحة الأليمة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، وذلك على القاعدة التي حددتها منظمة التحرير الفلسطينية في “إعلان فلسطين في لبنان” الذي يشكل قراءة نقدية للتجربة الفلسطينية في لبنان. كما يدعو التيار لفتح مجال واسع لحوار لبناني – فلسطيني، خاصة أن إعلان فلسطين يعلن “الالتزام الكامل بسيادة لبنان واستقلاله في ظلّ الشرعية اللبنانية ومن دون أي تدخل في شؤونه الداخلية”، بالإضافة إلى حق العودة ورفض التوطين أو التهجير، مع التشديد على أن السلاح الفلسطيني ينبغي أن يخضع لسيادة الدولة اللبنانية وقوانينها وفقاً لمقتضيات الأمن اللبناني [..]”. والملاحظ في هذه النقطة الواردة أن “المستقبل” يلتزم إعلان منظمة التحرير الفلسطينية، دون أية زيادة أو نقصان. وهذا دليل يتناقض إلى حدّ ما مع البند الأول من فصل “إصلاح الحياة السياسية” الذي يطالب بأن يكون للدولة الحق الحصري في امتلاك القوة المسلحة. ذلك أن بيان المنظمة يخفي في كثرة المصطلحات التي يستعملها رفضاً ضمنياً لتسليم السلاح للدولة. فكل ما يُفهم من بيانها أنها ستحتفظ بالسلاح إنما بما لا يناقض الأمن اللبناني. وهنا سؤال يطرح على التيار: كيف يمكن له أن يطالب بحصر القوة المسلحة بالدولة بهدف حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية، في حين أنه يقبل ببيان منظمة التحرير الذي يُبقي بيدها السلاح فعلياً، ويضعه تحت سيادة الدولة فقط إسمياً.
هذا من ناحية التيار، أما من ناحية “حزب الله”، فإنه يقارب مشكلة العلاقة ما بين اللبنانيين والفلسطينيين على أنها نتيجة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. فالحزب في وثيقته لا يتحدث عن صفحة أليمة بين الطرفين اللبناني والفلسطيني، بل يركّز فقط على المعاناة الفلسطينية في لبنان والتي لم تقتصر على آلام الهجرة القسرية، إنما أضيفت إليها الاعتداءات الإسرائيلية، والحرمان من الحقوق المدنية والاجتماعية، وعدم قيام الحكومات اللبنانية بواجبها حيالهم (الفصل الثاني؛ رابعاً: لبنان والعلاقات اللبنانية – الفلسطينية). من هنا يدعو الحزب الحكومة اللبنانية الى ضرورة تحمّل مسؤولياتها وبناء علاقات لبنانية – فلسطينية على أسس قانونية تراعي موازين الحق والمصالح المشتركة لكلا الشعبين. كما أنها تدعو لإجراء حوار ثنائي مباشر بين الطرفين، وتمكين الفلسطينيين من إختيار مرجعية موحدة لتمثلهم فيه. وقد وضعت الوثيقة حدّين أساسيين لهذا الحوار: الأول يتمثّل بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية والاجتماعية، والثاني يتمسك بحق العودة ورفض التوطين.
إلا أن التمايز ما بين “المستقبل” و”حزب الله”، ليس في مسألة “رفض التوطين” أو “إعطاء الحقوق المدينة والاجتماعية” للفلسطينيين، بل إنها في خلفية مقاربة الملف الفلسطيني الأساسي والذي محوره عملية السلام والمقاومة الفلسطينية. ففي حين لا يذكر التيار أي شيء عن المقاومة الفلسطينية، منطلقاً من خلفية قومية عربية في مقاربة عملية السلام، نرى أن الخلفية التي ينطلق منها الحزب لمقاربة المسألة ذاتها، إنما هي دينية وإسلامية بالتحديد، وهذا بارز في تشديده على مسألتي القدس والمسجد الأقصى. فالمسجد الأقصى هو “أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله وملتقى الأنبياء والرسل”، وهو أهم رموزالمسلمين على وجه الأرض. إذاً “إن واجب نصرة القدس وتحريرها والدفاع عن المسجد الأقصى هو واجب ديني، ومسؤولية إنسانية وأخلاقية” في عنق كل شريف من أبناء الأمة العربية والإسلامية، وكل أحرار وشرفاء العالم (الفصل الثالث؛ ثالثاً: فلسطين والمسجد الأقصى). كما أن الأمر بالنسبة لـ”حزب الله” لا ينحصر فقط بهذا البعد، إلا أنه يأخذ طابعاً أكثر اتساعاً. ذلك أن إسرائيل ليست “عدواً” وحسب، بل “نتاج عقلية استكبارية استبدادية تسلطية” مدعومة من “الغرب” بهدف جعلها موقعاً متقدماً للمشروع الاستكباري الغربي وقاعدة للهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية (الفصل الأول؛ العالم والهيمنة الغربية والأميركية).
في حين يكتفي التيار بالمبادرة العربية كأساس للحل العادل مع العدو الإسرائيلي، متمسكاً بعملية السلام كخيار استراتيجي، فإن الحزب، الذي يبني كل مشروعيته على مقاومة مشروع الاستكبار والهيمنة الغربي، لا يمكنه بتاتاً تركيز مشروعه الاستراتيجي على عملية التسوية. من هنا موقفه الرافض بشكل مطلق “لأصل ومبدأ خيار التسوية مع الكيان الصهيوني، القائم على أساس الاعتراف بشرعية وجوده، والتنازل له عما اغتصبه من أرض فلسطين العربية والإسلامية”. لا بل إن الحزب يذهب في وثيقته (الفصل الثالث؛ رابعاً: مفاوضات التسوية)، للقول أن موقفه هذا “ثابت ودائم ونهائي […] حتى لو اعترف العالم كله بإسرائيل”. ثم إنه يدعو، في نهاية هذه الفقرة، المسؤولين العرب إلى “التخلي الحاسم والنهائي عن عملية التسوية الوهمية المسماة زوراً وبهتاناً عملية السلام” وأن يلتزموا تحرير القدس من رجس الاحتلال الاسرائيلي “والقيام بما يمليه عليهم واجبهم الديني والأخوي والإنساني تجاه مقدساتهم في فلسطين”.
إذاً، التمايز واضح وعميق، ما بين محور يبادر إلى السلام مع العدو الإسرائيلي، وآخر يرفض أي شكل من أشكال التسوية، ذلك أن إسرائيل بالنسبة للحزب خطر دائم، كما أنها “مولود غير طبيعي وكيان غير قابل للحياة والاستمرار ومعرض للزوال” (المقدمة)، وبالتالي لا حاجة للاعتراف بها أو إقامة سلام معها.
خامساً – بين العروبة الحديثة والأمة الإسلامية: “لبنان الحديث” على خط صدع صراع الحضارات
لكل من التيار والحزب نظرة مميزة وخاصة إلى لبنان، دون أن يعني ذلك أن النظرتين لا تتقاطعان في الكثير من النقاط كسيادة لبنان، وكرامته، وحريته، واستقلاله، وقوته، ودوره الرائد في معادلات المنطقة.
فلبنان بالنسبة لـ”تيار المستقبل” هو “وطن سيد حرّ مستقل نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء […] وهو جمهورية ديموقراطية برلمانية تقوم على أساس احترام الحريات العامة” (فصل الثوابت الوطنية؛ النقطتان الأولى والثانية). ولعروبة لبنان بالنسبة للتيار “خصوصية تنبع من وحدته [لبنان] الوطنية ومن شعبه المتعدد الأديان والجماعات في إطار العيش المشترك” (الثوابت الوطينة؛ النقطة الأولى). إنها عروبة قمة الرياض 2007 التي أكدت أنها “ليست مفهوماً عرقياً عنصرياً بل هي هوية ثقافية […] وإطار حضاري مشترك […] يثريه التنوع والتعدد والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى ومواكبة التطورات العلمية والتقنية المتسارعة” (إصلاح الحياة السياسية، سادساً). حتى أن التيار يقدّم نفسه في هذه الوثيقة على أنه حامل فكرة “الجمع بين نهائية الوطن اللبناني وهوية لبنان العربية”، وأن هذا الجمع هو الوجه الحضاري المطلوب بين “اللبنانية” و”العروبة”. وهكذا يصبح التيار “مكوّناً استراتيجياً من مكونات الاعتدال العربي، ويتطلع لأن يكون دائماً وجه العروبة الحديثة والمتجددة في لبنان، وعنوان المصالحة الحقيقية بين اللبنانية والعروبة”. لا بل إنه يعتبر نفسه الإطار السياسي الذي يعبّر من خلاله اللبنانيون عن تماهيهم مع “أمتهم العربية” (الثوابت الوطنية؛ النقطة العاشرة). هذا التيار، النابذ لكل أشكال العنف والانغلاق الديني، يرى أن التعددية هي “رسالة لبنان الحضارية في أمته العربية وفي العالم” (إصلاح الحياة السياسية؛ النقطة الثانية عشرة). من هنا نفهم تماماً إعلان التيار إنخراطه في مشروع “الاعتدال العربي”، القائم على “ملاقاة التحول الجاري في العالم العربي”، واستراتيجية السلام مع العدو الإسرائيلي على أساس الحل العادل كما تجسده المبادرة العربية المقررة في قمة بيروت. إنه مشروع العروبة الثقافية والحضارية والمتعاونة. “مشروع العرب المستقبلي، القائم على العلم والمعرفة، الذي سيكون مدخلهم إلى تجديد حضورهم في عالم اليوم، وإلى موقع المبادر والمشارك والقيادي”، وان يكونوا شركاء في الحوار حول المسائل العالمية (المقدمة، رابعاً: تجديد العروبة).
هذه هي خلاصة المشروع الإقليمي العربي الذي يرى التيار موقعه وموقع لبنان فيه. كما أنه تجدر الإشارة، إلى أن وثيقة التيار لم تأتِ على ذكر أية مرجعية إسلامية إلا في الفقرة الثامنة من فصل “الثوابت الوطنية” حين تعتبر أن لبنان هو عضو في منظمة الدول الإسلامية. وعليه، فإن الدولة اللبنانية تجسد مبادئ هذه المنظمة، بالإضافة إلى مبادئ حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة في جميع الحقول والمجالات. وربما سها عن بال واضعي الوثيقة، أن هناك الكثير من الأمور المتمايزة ما بين مبادئ الأمم والمتحدة مثلاً، ومبادئ منظمة الدول الإسلامية، ومنها على سبيل المثال شرعة حقوق الإنسان. فإن المقارنة البسيطة ما بين شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة، وشرعة حقوق الإنسان في الإسلام الصادرة عن منظمة الدول الإسلامية، تظهر الكثير من التباينات لمفهوم حقوق الإنسان، التي قد تصل أحياناً إلى حدّ التناقض.
أما “حزب الله” فمقاربته شديدة التمايز عن مقاربة التيار. إن كان من حيث النظرة إلى لبنان الوطن، أو من حيث المشروع الإقليمي والحضاري. فلبنان عنده – وكأن “حزب الله” هنا يستعير كلام جواد بولس – هو “وطن الآباء والأجداد، كما هو وطن الأبناء والأحفاد […]”. هو الوطن الذي قدّم من أجله الحزب التضحيات وأعز الشهداء، والذي يريده وطناً “لكل اللبنانيين على حدّ سواء” (الفصل الثاني، أولاً: الوطن). فالحزب يريد في وثيقته هذه، وبعد تاريخه المقاوم، ومساهمته الأساسية في تحرير جنوب لبنان، إبراز نفسه، لاعباً مؤسساً في ما يسميه بـ”لبنان الحديث”. هذا اللبنان ليس نقضاً للبنان 1943، ولا لقيمه أو أسسه. ذلك أن جُلّ ما يريده، هو إضافة القيم التأسيسية المتأتية من المقاومة إلى قيم لبنان الأساسية التي تكرّست في ميثاق 1943. وبالتالي إن “لبنان الحديث” هو تراكم “لبنانين”: لبنان الحرية والثقافة والعلم والتنوع، أي لبنان – الميثاق في العام 1943، ولبنان العنفوان والكرامة والتضحية والبطولة، التي يعتبر الحزب أنه حقّقها بفضل مقاومته وتحريره الجنوب (الفصل الثاني، ثانياً: المقاومة). حتى أنه يمكننا أن نجد الكثير من “لبنان- ميشال شيحا” في نظرة الحزب مثلاً إلى ما يشكّله لبنان من نموذج نقيض لإسرائيل، وذلك في قوله :”تمثّل إسرائيل تهديداً دائماً للبنان […] بما هو أنموذج لتعايش أتباع الرسالات السماوية، في صيغة فريدة، ووطن نقيض لفكرة الدولة العنصرية التي تتمظهر في الكيان الصهيوني” (الفصل الثاني، ثانياً: المقاومة).




















