يصل الأسبوع المقبل الى نيويورك المدعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان دانيال بلمار من غير أن يعرف أحد ماذا يحمل. وخلافاً لما اعتاده مسؤولون لبنانيون، يتفادى ديبلوماسيون دوليون اطلاق التكهنات عن مهمة بلمار، التي تشمل في جانب منها حواراً مع مجتمع أكاديمي رفيع خارج الأمم المتحدة.
بصرف النظر عن تضارب المواقف اللبنانية المبنية في أكثرها على أن القرار الظني المرتقب سيوجه اتهامات الى “أفراد” من “حزب الله”، يرفض ديبلوماسي دولي رفيع تأكيد أو نفي زيارة بلمار لمقر الأمم المتحدة مطلع الشهر المقبل، علماً أن الوقت قد حان كي يطلع أعضاء مجلس الأمن والأمانة العامة للمنظمة الدولية على “التقدم الذي أحرز” في اتجاه “كشف الحقيقة” في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري والإغتيالات ومحاولات القتل الأخرى التي ستنظر فيها المحكمة الخاصة بلبنان.
وفي ظل السعي الى استقاء معلومات موثوق بها عن صحة ما أشيع عن أن المدعي العام بات قاب قوسين أو أدنى من “الظن” بمن كان يقف وراء تلك الحقبة السوداء من تاريخ لبنان، يفيد ديبلوماسيون يعرفون بلمار “المستقل والنزيه” أن “الظن” عنده يجب أن يقارب “اليقين” بجملة “أدلة قاطعة” تقوده الى جلب الجناة الى عدالة يتقن موازينها، لا بحملة “تسييس” تدخله في متاهات لعبة يؤكد أنه ليس أهلاً للخروج رابحاً منها. لذلك يؤكد تكراراً أن قائمته للعدالة “لا تتضمن وجبات سريعة لاتهام قضائي بناء على طلب سياسي”. وإذا لم يكن قد استكمل بعد بناء قضية اغتيال الحريري، قد يكون ربما فعل ذلك في غيرها من القضايا الخاضعة لسلطته.
وإذ يذكر البعض بأن بلمار قال يوماً إنه لم يقبل بهذه المهمة كي ينهي حياته المهنية الناجحة بفشل ذريع، دفعت التكهنات “حزب الله” الى قيادة حملة شاملة ليس فقط لتفنيد هذه الإدعاءات، بل أيضاً للدعوة الى وقف التمويل اللبناني للمحكمة سعياً حتى الى إلغائها. وحيال ذلك، حاول صحافيون معرفة العواقب المحتملة لذلك، فكان رد مكتب وكيلة الأمين العام للشؤون القانونية باتريشيا أوبراين يقتصر على ما يأتي: “نحن لسنا في موقع للتعليق على هذا السيناريو الإفتراضي”. بيد أن مصادر عدة تلتقي على أن قرار انشاء المحكمة بالقرار 1757 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يوجب على أمينها العام العودة الى المجلس حال حصول أي نقص في التمويل، مما يفسح في المجال لاصدار قرار جديد للتعامل مع النقص وربما مع أسبابه المحلية والإقليمية.
أما طلب إلغاء المحكمة بدعوى أنها “تهدد لبنان بفتنة” فهو في أقل الإعتبارات “مقاربة غير واقعية” لأسباب مختلفة، لعل أبرزها أن قوى صنع القرار الدولي – بما في ذلك روسيا – “لن تسمح” بـ”كسر هيبة” مجلس الأمن كرمى لقوى سياسية لبنانية أو اقليمية. وهذا ما دلت اليه المواقف الأخيرة المتناغمة للمندوبين الدائمين للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ولممثلي دول أخرى، في عملية اصطفاف خلف الموقف الأخير للأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون، ستظهر تباعاً على أرفع المستويات في الولايات المتحدة، مما يعني أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تعيد النظر جدياً في طريقة تعاملها مع لبنان والقوى الإقليمية المؤثرة فيه.
وبينما يترقب الديبلوماسيون مرحلة ما بعد القرار الظني الأول لبلمار وما يليه، لا يخفي بعضهم قلقه البالغ من العواقب المحتملة على لبنان والمنطقة، لكن كثيرين يتساءلون عن معنى الكلام عن “مؤامرة” لإشعال “الفتنة” في هذا البلد إذا كان اللبنانيون هم أول من ينفخ في نارها؟
(نيويورك)
“النهار”




















