شعر العالم بالذهول عندما أجلس داني دانون نائب وزير الخارجية الاسرائيلي السفير التركي في تل أبيب على كرسي أكثر انخفاضا من الكرسي الذي كان يجلس عليه دانون. وذلك في نوع من الإهانة للسفير التركي، بسبب مسلسل يحاول أن يعرض جانبا من الممارسات الاسرائيلية بحق المواطنين الفلسطينيين. وذلك قبل أسابيع من إرسال تركيا بعض سفنها للمشاركة في أسطول الحرية الذي كان متجها لى غزة لكسر الحصار الاسرائيلي المفروض عليها منذ العام ٢٠٠٧.
مثال آخر على هذه الإهانات هو الإعلان عن مخطط استيطاني كبير في القدس الشرقية، أثناء زيارة جو بايدن نائب الرئيس الأميركي لاسرائيل في شهر آذار الماضي. كان الرئيس باراك اوباما حينذاك يطلب من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف الاستيطان في القدس الشرقية وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة. وجاء الإعلان ليشكل ما وصف وقتها “بالصفعة” للدبلوماسية الأميركية، وسياسة إدارة اوباما في المنطقة.
أما ما تفوه به وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان، وهو واقف بجوار وزيري خارجية فرنسا واسبانيا الأسبوع الماضي، فكان أبعد ما يكون عن الدبلوماسية :فقد دعا الوزير الفرنسي للاهتمام بقضية الحجاب وإبعاد الغجر الرومانيين وصرف النظر عما وصفه بالتدخل في الشؤون الاسرائيلية- هكذا علنا، وأمام المراسلين وعدسات التصوير ومكبرات الصوت التي نقلت تصريحاته الاستفزازية للعالم أجمع.
وآخر هذه التصرفات هو قيام اسرائيل بتجميد مفاوضات التعاون الاستراتيجي مع بريطانيا، إلى أن تعدِّل هذه الأخيرة قانون جرائم الحرب بما يكفل عدم اعتقال مسؤولين اسرائيليين يمكن أن يُعتقلوا في بريطانيا بفعل هذا القانون.
هذا قليل من كثير من الإهانات والتصزيحات الاسرائيلية التي أقل ما يقال فيها هو أنها جافة، ولا تمتُّ للدبلوماسية بصلة. والغريب أن من توجه إليهم هذه التصريحات والبيانات يكون رد فعلهم عليها أقل مما يجب. صحيح أن تركيا لم تهدأ إلا بعد اعتذار رسمي من الحكومة الاسرائيلية، لكن الأمور هدأت بعد ذلك، إلى أن توترت العلاقات بين الجانبين بعد الغارة الاسرائيلية على اسطول الحرية، التي أوقعت تسعة قتلى من الناشطين الأتراك.
ولن نتساءل ماذا سيكون رد فعل الدول الغربية لو أن مثل هذه التصريحات صدرت عن طرف عربي. لكن الأخطر في هذا الموضوع ليس هو ضعف ردود الفعل بقدر انعكاسات ضعفه على القادة الاسرائيليين المتطرفين، الذين زادوا “الجرعة” ولم يعودوا يحسبون حسابا لأحد. فالسكوت عن هكذا أقوال وتصرفات يعطي الضوء الأخضر لاسرائيل، ليس فقط للتمادي فيها، وإنما للتمادي أكثر فأكثر في ممارساتها الاستيطانية والاحتلالية بحق الشعب الفلسطيني، والاستهانة أكثر فأكثر بعملية السلام وإرادة المجتمع الدولي.
إنها ظاهرة تقترب من الكيل بمكيالين في بعض الحالات، والهدف دائما هو التشبث بالاحتلال والاستيطان، وتجاهل الحقوق الفلسطينية المشروعة. والمهم أن يدرك المجتمع الدولي ما وراء هذه الظاهرة من الدوافع والأهداف، ومنع اسرائيل من تحقيقها، إذا أريد للسلام أن يتحقق، وللعدالة أن تسود في هذه المنطقة المتوترة من العالم.
القدس




















