كما أن لكل أغنية “لازمة ” ، كان لكل ما قاله الباحث المرموق سمير العيطة في دير الزور “لازمة ” يكررها : إذا أردتم تنمية ، أنجزوا سكة الحديد وأرسلوا القطار السريع إلى دير الزور – القامشلي …
والأمر ليس دعوة هامشية لإرضاء سكان الاقليم أو مجرد “دعابة ” يكررها لتحريك الجو في ندوة تنمية المنطقة الشرقية التي أقامتها غرفة تجارة وصناعة دير الزور ، إنه حصيلة لدراسة علمية معمقة للواقع ، وكما كل الدروب القديمة توصل إلى روما ، فإن دروب تنمية المنطقة الشرقية كلها تمر بسكة الحديد التي يبحث عنها سمير العيطة ..
يرى العيطة أن إقليم الجزيرة لم يعد اليوم إذاً طرفيّاً، بل أضحى في قلب منطقةٍ استعادت ديناميّتها، ليس فقط لأنّ حركة التجارة والاقتصاد استعيدت في محيطها، بل لأنّ “طريق الحرير” (وهو طريق تجارة) قد عاد يظهر من جديد. فتركيا الصاعدة قد تعاقدت هذا الشهر على تشييد شبكة قطارات داخلية سريعة تربط شرقها بغربها وعلى خطّ قطارٍ سريعٍ يربطها مع… الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم (والذي سيصبح الأوّل بعد بضعة سنوات). وسيمرّ هذا القطار على مشارف أراضي الجزيرة السوريّة.
وهو على يقين أنه لا نموّ للتجارة والخدمات بدون بنى تحتيّة من طرق جيّدة وسكك حديديّة، واليوم من دون أنترنيت فائق السرعة (وغير ذلك من توفير المنافسة والمعلومات وتكافؤ الفرص). ويتساءل : من يقوم بتشييد هذه البنى التحتيّة وعلى أيّة أسس اقتصادية؟ ويستذكر نقاشاً مع وزيرٍ للنقل أراد أن يضع خطّةً استراتيجيّة لوزارته، كان محورها الأساسيّ أن يضاعف حصّة النقل من الناتج المحلّي. فأجابه : لست أنا الرجل المناسب لأنّ هذا عكس المنطق الاقتصادي، فالنقل هو خدمة لباقي القطاعات الاقتصادية، والسبيل إلى تنشيط الدورة الاقتصادية في البلاد هو بالضبط تقليص كلفته وحصّته النسبيّة من الناتج المحلّي. ويعرف كلّ الناشطين اقتصاديّاً في إقليم الجزيرة أنّ كلفة النقل إلى مختلف المناطق السوريّة (والخارج) كبيرة نسبيّاً مقارنةً مع قيمة السلع المنتجة ويشكّل عائقاً جوهريّاً. ومن الواضح أنّ البلاد برمّتها، وإقليم الجزيرة بشكلٍ خاص، إلى نقلة نوعيّة في بنى النقل التحتيّة، كي تنمو التجارة والزراعة والصناعة (فما فائدة منطقة صناعية في إقليم الجزيرة دون ربطها بوسائل نقل منحفضة الكلفة، ودون تجهيزات لجلب الطاقة ومعالجة المخلّفات).
لماذا لا ينجز الأمر :
يقول سمير العيطة : تأتي ردودٌ أنّ الدولة ليست لديها الإمكانيات الماديّة، وأنّ مشاريع النقل سيتمّ طرحها على القطاع الخاصّ للاستثمار، وحده أو بالشراكة مع القطاع العام. ولكنّ هذه الردود تطرح إشكاليّتين: أوّلاً، لماذا سيأتي قطاعٌ خاصّ كي يستثمر في مشاريع غير رابحة بحدّ ذاتها، ولا يأتي أثرها إلاّ بشكلٍ غير مباشر عبر تنشيط مجالات أخرى في الاقتصاد؟ خاصّةً إذا تعلّق الأمر بمناطق بعيدة عن خطوط التجارة الرئيسة الحالية وعن المراكز ذات مستوى الإنفاق المرتفع؟ وثانياً، كيف يتمّ تحصيل وإنفاق الأموال الحكوميّة، وأين توضع الأولويّات؟
فما الذي يدعو مثلاً إلى تفضيل حفر مترو أنفاق في دمشق الجاثمة على تاريخ عمره خمسة آلاف عام وأكثر وجعله أهمّ من ربط جميع المدن السوريّة بشبكة قطارات سريعة تخلق حركيّة أكبر للسلع والأشخاص بينها؟ وهل مترو الأنفاق هذا (مع كلّ الانزعاج الناتج عن ازدحام المدينة) أهمّ من ربط دمشق بالقطار السريع مباشرةً بمدن الجزيرة، ومن ربط هذه المدن بـ”طريق الحرير” المنطلق من الصين إلى أوروبا مروراً بتركيا؟ في هذا الشقّ أيضاً هناك إشكالية توزيع، أو بالأحرى إعادة توزيع، بين المناطق السوريّة المختلفة.
يقول الباحث : هذه فعلاً خيارات جوهريّة، على السوريين التمحّص وأخذ القرار فيها، لأنّها هي التي ستصنع صورة مستقبلهم. وهذه الخيارات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفيّة تطوّر التجارة والمبادلات، بين إقليم الجزيرة ودمشق (وبيروت وشبه الجزيرة العربية)، وبين سورية والدول الثلاث التي تتشارك معها حوض الفرات ودجلة وطريق الحرير.
فيمكن أن نتصوّر أن خلق حركيّة بين هذا الإقليم ودمشق وحمص وحلب (العواصم السوريّة)، وتقليص كلف النقل ومدّة السفر، سيشجّع تفضيل تموضع الصناعات في إقليم الجزيرة حيث الموارد الزراعية والنفطية (وربّما غيرها أيضاً) وسينشّط التجارة الداخلية، بل سيقرّب مدن الجزيرة في مختلف النواحي “الحضريّة” من العواصم المذكورة. ويمكن أن نتصوّر أنّ يؤدّي هذا إلى عكس اتجاهات الهجرة الداخليّة. كما يمكن لتنشيط الحركية بين مدن الجزيرة والمدن المجاورة لها في تركيا والعراق إلى تنشيط التجارة الخارجيّة وإلى الاستفادة من الفرصة المتاحة لخلق ميّزات لإقليم الجزيرة مقارنةً مع جواره.
ويعود للسؤال بما بدأ به : متى سيتواصل إقليم الجزيرة بشكلٍ أمتن مع الشام (قطار دمشق- دير الزور- القامشلي المشهود) ومع جواره، ومتى سيتمّ تجديد ديناميّة مدن الجزيرة لجعلها… حاضرات شاميّة مستقطبة؟
أيمن قحف –
“سيريانديز“




















