تل أبيب: نظير مجلي
ردت الإدارة الأميركية بغضب على قرار لجنة التنظيم اللوائية التابعة لوزارة الداخلية الإسرائيلية بإطلاق مشروع بناء 1350 وحدة سكنية في القدس الشرقية المحتلة، فاتهمت جهات إسرائيلية بالتخريب المقصود لعملية السلام. ولكن مسؤولا إسرائيليا لم يذكر اسمه صرح للإذاعة الإسرائيلية الرسمية بأن القدس ستبقى مدينة موحدة تحت حكم إسرائيل ولن تكون موضوعا للمفاوضات.
يأتي الرد الأميركي الغاضب قبل ساعات فقط من كشف صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن مخطط آخر لبناء 800 وحدة سكنية في مستوطنة أرييل كبرى المستوطنات في الضفة الغربية. وتبرأت وزارة الدفاع الإسرائيلية، المسؤول الأول عن الضفة الغربية، من هذا المشروع الاستيطاني، زاعمة أن القرار هو قرار صادر عن لجنة التنظيم والبناء المحلية في المستوطنة، وتتعلق بمشروع تابع لمقاول خاص يقول إنه مالك الأرض.
وكانت اللجنة قد نشرت إعلانات في الصحف الإسرائيلية تدعو الجمهور لتقديم اعتراضاتهم، إن وجدت، على قرار بناء 1100 وحدة سكنية في جبل أبو غنيم «هار حوماة» في المقطع الجنوبي من مدينة القدس، بينما قررت لجنة التنظيم في بلدية القدس إجازة نحو 250 وحدة في مستوطنة بسغات زئيف المطلة على رام الله من القدس وحي رأس العامود، في قلب القدس الشرقية، وفي غيرهما من الأحياء.
وحال نشر النبأ، في الليلة قبل الماضية، أصدر فيليب كراولي، الناطق بلسان وزارة الخارجية الأميركية، تصريحا وصف بأنه حاد جدا، بل اعتبره مراسل الإذاعة الإسرائيلية صفعة، قال فيه: «هناك جهات في الحكومة الإسرائيلية لا تعرف ما الذي يدور في وزارات أخرى قرينة لها في الحكومة نفسها. ويبدو أن هناك من يريد إحراج رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة». وأضاف أن هذا البناء يزعزع الثقة من جديد في نوايا القيادة الإسرائيلية ويشوش على عملية السلام.
ورد المسؤول الإسرائيلي الرفيع على هذا التصريح بفظاظة شديدة، بدا منها أنه يرد الصفعة صفعتين، فقال: «البناء في القدس طبيعي وقانوني، فهي عاصمة إسرائيل الموحدة. حتى قرار الحكومة قبل 11 شهرا بتجميد البناء الاستيطاني عشرة شهور، لم يشمل المدينة، ونحن نبني ونواصل البناء فيها».
وكان ملفتا للنظر أن نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، وقع في قلب هذه المعركة مرة أخرى، تماما كما حصل له لدى زيارته لإسرائيل في السنة الماضية. ففي حينه، استغلت اللجنة اللوائية المذكورة وجود بايدن لتعلن عن مشروع بناء 1660 وحدة سكنية في أحياء القدس العربية المحتلة. واعتبر بايدن هذا القرار استفزازا شخصيا له. وأثار القرار أزمة دبلوماسية مع الولايات المتحدة التي طالبت إسرائيل بإلغاء القرار. واعتذر يومها نتنياهو وقال إنه لم يكن على علم به وأن وزير الداخلية، إيلي يشاي من حزب شاس لليهود الشرقيين المتدينين أقدم عليه من دون إطلاع رئيس حكومته، وأبلغ واشنطن أنه اتخذ الإجراءات لمنع تكرار تصرف كهذا. وقاد هذا القرار يومها لتجميد البناء الاستيطاني لأول مرة منذ عام 1967. وفي هذه المرة، عادت لجنة إيلي يشاي لتكرار الاستفزاز، بعد ساعات من اللقاء الذي اعتبر وديا وناجحا بين بايدن ونتنياهو.
ويقدر المراقبون في إسرائيل أن من شبه المستحيل أن يكون قرار البناء في القدس من دون علم نتنياهو، فمن المفترض أنهم تعلموا الدرس وتعهدوا بالامتناع عن اتخاذ قرارات استفزازية كهذه. ولكن عضو الكنيست من حزب «كديما»، نحمان شاي، لم يستبعد أن يكون القرار من دون معرفة نتنياهو، «ففي هذه الحكومة اليد اليمنى لا تعرف ما تفعله اليسرى».
إلا أن تصريحات الناطق بلسان الخارجية الأميركية بدت مبرئة لنتنياهو من هذه الجريمة. ويقدر المراقبون أن تكون قد جاءت بالتنسيق مع نتنياهو، بعد التفاهم معه حول الخطوات المقبلة للامتناع عن تكرار الأمر في المستقبل. وهناك من رأى ذلك محاولة لمحاصرة نتنياهو، حتى يحضر إلى اللقاء مع وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون (المفترض أنه عقد في ساعة متأخرة من مساء أمس)، وقد سوى هذه المشكلة.
والجدير بالذكر أن نتنياهو ألقى الليلة قبل الماضية خطابا أمام مؤتمر اتحاد المنظمات اليهودية في أميركا الشمالية، اتهم فيه الفلسطينيين بإفشال المفاوضات. وتظاهر ضده في قلب قاعة المؤتمر عدد من اليهود من نشطاء في حركة «صوت يهودي من أجل السلام»، منهم 3 إسرائيليين، وراحوا يصرخون ويقاطعون نتنياهو. وتمكنوا قبل أن يتم إخراجهم من القاعة من إطلاق الشعارات: «لا شرعية للاحتلال، والاحتلال يسحب الشرعية عن إسرائيل»، كما هتفوا بشعارات ضد قانون «الولاء» لإسرائيل كدولة يهودية، بينما ركز نتنياهو في خطابه على الملف النووي الإيراني وما وصفه بالحملة لسحب الشرعية عن إسرائيل.
وأخرج أفراد الأمن الذين انتشروا بكثافة في القاعة مقاطعي خطاب نتنياهو. وتبين لاحقا أن أحد المتظاهرين الخمسة هو إسرائيلي يدعى ماتان كوهين أصيب في عينه برصاص قوات الاحتلال قبل عدة أعوام خلال تظاهرة مناهضة للجدار في بلعين. وتعمل حركة «صوت يهودي من أجل السلام» على تشجيع مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية بسبب الاحتلال. وقال نتنياهو: «نحن لا نريد أمنا على الورق، نريد أمنا على الأرض، أمنا حقيقيا.. أنا على استعداد لتسويات بهدف التوصل لسلام حقيقي مع الفلسطينيين، لكنني غير مستعد للمراهنة على أمن الدولة اليهودية».
وحذر السفير الإسرائيلي في واشنطن، مايكل أورون، من أن إسرائيل تنتظر من يهود الولايات المتحدة دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ومحاربة تقرير غولدستون والدعوات لمقاطعتها. وعبر أورون عن قلقه المتزايد من تحول إسرائيل إلى قضية خلافية في النقاشات العامة في الولايات المتحدة، داعيا إلى أن يكون دعم إسرائيل في الولايات المتحدة عابرا للأحزاب، معتبرا ذلك مصلحة قومية استراتيجية للدولة اليهودية، حسب تعبيره.
“الشرق الاوسط”




















