خشية من ان تنهال علينا الاتهامات بالعمالة للمحافظين الجدد أو بالانجرار وراء أوهام الاسلام الثوري، استدرك وأقول:
1- ان غزو العراق تم بغير وجه حق لجهة القانون الدولي العام.
2- ان تكليف المحكمة العراقية الخاصة بمقاضاة النظام البعثي (بدلاً من استحداث محكمة دولية في لاهاي مثلاً) جاء خلافاً للعرف المعتمد في قضيتي ليبيريا ويوغوسلافيا، والهدف كان ضمان إنزال عقوبة الاعدام بصدام حسين وبرفاقه.
3- ان التسرع بالبت في محاكمة صدام حسين لجهة قضية الدجيل دون غيرها من القضايا الأخرى كقضية الأنفال، معيب بعدالة “الديموقراطية” العراقية الناشئة!
4- ان سير المحاكمات وإدارتها يكتنفه الكثير من الشوائب.
5- وأخيراً وليس آخراً، فإن عقوبة الاعدام عقوبة وحشية وهي أقرب الى الثأر منها الى العدالة. إن مسؤولية التمسك بها لا تقع على الدول أو على الانظمة فحسب، بل على المجتمعات العربية التي ما برحنا نعظّم شأنها وننزّهها عن كل سوء.
إلا ان هذه الديباجة التي تشكك بالاصول المتبعة لاحقاق الحق، لا تزيل التهم التي وجهت إلى أعوان صدام حسين! فكيف باعتبارهم في عداد الابرياء الذين لا تجوز ملاحقتهم؟ ولنا متسع للتمييز بين موضوع شرعية المحكمة وموضوع صوابية ملاحقة الرفاق في الحزب!
تعريف بسيرة طارق عزيز الذاتية
رفيق نضال لصدام حسين، شغل طارق عزيز منصب وزير الخارجية ومن ثم منصب نائب رئيس الوزراء في الحكومة العراقية. كان عضواً بارزاً في مجلس قيادة الثورة أي أعلى سلطة في الهرم السياسي البعثي. استسلم للقوات الأميركية في أواخر نيسان 2003، فسجن ومثل أمام العدالة المستحدثة. حكم عليه في آذار 2009 بالسجن خمس عشرة سنة بذريعة ارتكاب جرائم ضد الانسانية في قضية تصفية اثنين وأربعين تاجراً عام 1992. كما ان المحكمة العليا الجزائية عاقبته بالسجن سبع سنوات نسبة الى دوره في قمع الاكراد في ثمانينات القرن الماضي.
يبلغ اليوم من العمر أربعاً وسبعين سنة، صحته متردية وما برح محاموه يطالبون بالافراج عنه لعلاجه من عوارض أمراض قلبية. وقد صرح ابنه زياد عزيز ان عقوبة الاعدام التي انزلت بوالده بتاريخ 26 تشرين الأول الماضي تشكل ثأراً لا عدالة. فطارق عزيز أدين هذه المرة بحجة مشاركته في قمع الأحزاب الدينية. انما ابنه يشكك بنزاهة المحكمة ويتساءل كيف تسنى للقضاة الوقت الكافي لدرس الملف والاستماع إلى محامي الدفاع.
الاستغاثة ويقظة الضمير!
كان الزميل الاستاذ نعمه جمعة السبّاق عندما صاح: “أطلقوا المفكر طارق عزيز وقادة الرأي في العراق” (“النهار”، 1 شباط 2008). وها هو الاستاذ رفيق أبي يونس يسجل بدوره اعتراضه. وقد جاء كلام القيادي السابق في حزب البعث مندداً بحكم الاعدام الذي أنزل بطارق عزيز، مذكراً “أنه مثقف وكاتب وديبلوماسي لم يضطلع بأي مهمة أمنية أو عسكرية” (5 تشرين الثاني، “قضايا النهار”)
لم يمارس طارق عزيز مهنة التعذيب ولم يقدم على تصفية الخصوم شخصياً. فلم يكن وبحسب قواعد القانون الجزائي فاعلاً أساسياً ولا محرضاً! ولربما اكتفى بأن يكون شريكاً أو متواطئاً مع سياسة الطغيان التي انتهجها النظام البعثي في بلاد ما بين النهرين. والصمت عن الجريمة المتمادية يكون أحياناً أعظم بأضعاف من التحريض عليها أو المشاركة فيها!
الاخراج العلني للتصفية: أسلوب حكم
ليتنا نعيد قراءة التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي (القطر العراقي) في كانون الثاني 1974، وهذا التقرير يتباهى “بالاخراج العلني لتصفية” من سماهم الجواسيس بهذه العبارات:
“ان المهمة الأولى التي واجهتها ثورة السابع عشر من تموز في ميدان تحقيق مضامين الاستقلال السياسي وتعزيزه هي “تصفية” شبكات التجسس والعمالة تصفية جذرية وحاسمة… كان العراق ملغوماً بدرجة كثيفة بشبكات التجسس الاميركية والبريطانية والايرانية والاسرائيلية وغيرها…. وكان “الاخراج العلني” لعملية إعدام الجواسيس في المرحلة الأولى ضرورة قصوى رغم ما أثاره من ضجة على الصعيد الدولي وانتقادات قاسية وجهت إلى ثورتنا وشعبنا من جهات عديدة كان البعض منها صديقاً … لقد كانت تصفية شبكات التجسس بصورة علنية بمثابة تظاهرة وطنية كبرى وتأكيد علني وملموس على تحرر الارادة الوطنية …”.
بالله عليكم، يا قادة العرب لماذا “الاخراج العلني”؟ هل نحن نعيش مأساة اغريقية أو أخرى هوليوودية؟
المضحك المبكي!
وليتنا نسأل من هم “الجواسيس” وإلى أي فئة انتموا؟ والتخوين عملة نقدية سهلة الصرف في رحاب الأحزاب العقائدية، تلك التي تعاقبت في التسلط على الاقطار العربية في القرن الماضي! ألم يتهم السفير جهاد كرم في حينه بالعمالة وهو الذي قضى العمر ملازماً لمسيرة البعث العربي الاشتراكي؟ يخبرنا الصديق الأستاذ جهاد ان عبد الكريم الجندي عضو اللجنة العسكرية ومسؤول جهاز أمن الاستخبارات العسكرية، اقترب من بعض الرفاق في المؤتمر السادس للحزب المنعقد في دمشق في مجلس النواب السوري عام 1963، وزجر خالد اليشرطي قائلاً: “يا رفيق، اني احمّلك مسؤولية استمرار كلام كمال فاخوري، فإما أن يسكت أو أفرج عن تقرير موجود لدي يؤكد أنه جاسوس وعميل للإسرائيليين”. عندها تدخل جهاد كرم قائلاً: “ولو يا رفيق، جاسوس دفعة واحدة. فإذا كان ذلك صحيحا يجب طرده من المؤتمر واعتقاله فوراً. أما إذا كان بريئاً، فلا يجوز التشهير به”. فأجاب عبد الكريم: “لا تدافع عنه، أنتم جماعة الجامعة الأميركية جواسيس، ولكن حبّوبين”، هكذا (جهاد كرم، حديث الذكريات، ص. 102). وكان الأستاذ جهاد قد نبهنا ان محاولة إرهاب المؤتمرين كانت واضحة ولا تحتاج لجهد كبير لاكتشافها (م.س. ص.101).
قصة أخرى، إنما مأساوية!
اما الأدهى فحصل في تموز 1979 عندما استدعي السفير كرم على عجل من مركزه في دلهي في الهند. كان معظم سفراء العراق المقيمين في الخارج قد حضروا بدورهم إلى مقرّ وزارة الخارجية في بغداد. عرض عليهم الفيلم الذي يبين اعترافات بعض المتآمرين. يقول السفير: “ثلاثة أحباء من آل الحديثي جلسوا بقربي، أتسامر معهم حول الذكريات، وإذا بهم يستدعون، فيغادرون على عجل ولا يعودون، إثنان إلى الأبد، وشكري (الحديثي) ظهر بعد سنوات يحمل المأساة والألم” (مرجع ذاته، ص. 324).
كل هذا ولم يأتِ على بال طارق عزيز وغيره من القياديين البعثيين ان شيئاً ما غير طبيعي يتراءى على ساحة النضال؟ ألم تشمئز نفوسهم لذبح رفاق سلاحهم بحجج أقرب إلى البارانويا! أيكفي للمرء عدم الاشتراك بمهمات أمنية ليعيش حلم ليلة صيف، أو ليتنصل بيلاطس البنطي من مسؤولية القهر الذي مورس بشكل منهجي على العراق رفاقاً وعباداً؟ ألم يخطر ببال أحد من الملتزمين ان الاستقالة أشرف الحلول ومخرج معقول لمن زاغوا بنور بعث صدام؟! ألم يكن للبعثيين، وللبنانيين منهم تحديداً، علم بالمأساة وفصولها الدامية؟!
(محام وأستاذ جامعي)
“النهار”




















