في الحافلة التي كانت تقلّنا من أنطاكيا إلى مرسين لم تتوقف المرأة العجوزعن الكلام مع زوجها، الصامت دائماً إلّا من همهمهات متفرّقة كان يطلقها ليُفهم منها أنّه يتابع ويسمع. فجأة، إنزلقت جملة عربية كاملة من سياق الكلام التركي:” قعدنا أسبوع لا حد شافنا ولا حد جسّ علينا!”. إلتفتّ إلى الوراء مباغتا، حيث العجوزان: “أنتم عرب؟” سألتُ. لم تجب المرأة ولا أجاب الرجل زوجها.”لكنكما تتكلّمان العربيّة؟”. أيضا لا جواب. بل بدا أنّ الإثنين يسمعان لغة لا يفهمانها. أدركت حينها أن التكلّم بالعربيّة هناك، وكان ذلك من نحو عشرين سنة، لن يظلّ حرّاً إن خرجنا من أنطاكيا، حيث يجري الكلام العربيّ هناك على فطرته وسجيّته، في كنف الأهل.
الآن، في 2010، بات من تلتقيهم هناك لا يتحرجّون من الإجابة بالعربيّة على سائلهم العربي، ولا هم يتلفّتون حولهم محاذرين قبل أن يجيبوا بتلك اللهجة التي بات يصعب ردّها الآن إلى ما سبقت لنا معرفته وسماعه. بل إنّك قد تنتبه في أثناء مسيرك بين المحلات المتلاصقة إلى جملة قالها رجل في الستين أو السبعين من عمره، عربية، لكن كأنّها انفلتت من ذاكرة صحت فجأة. قلت لرمزي، الفلسطيني الهولندي الذي أضاع لغته العربيّة هو أيضا، إنّنا إن عدنا بعد خمس سنين سنجد أنّ هذه الجملة العابرة قد تلاشت هي أيضا.
ذاك أن من يقضي بين أهل أنطاكيا ثلاثة أيام أو أربعة سيمكن له أن يعاين الدرجة التي بلغها نسيان هذه اللغة. ألمرأة بائعة التحفيّات، المنتسبة إلى ما يبدو أنّه جيل المدينة الجديد، باللباس والظهور، توقّف كلامها العربيّ في وسط الجملة. والأستاذ في المدرسة الثانويّة، المختص بالأدب الإنكليزي، تردّد إزاء طلبنا إليه أن يترجم للطلّاب بالكلام العربي. قال إنّه يفهم كلّ شيء لكنّه لا يستطيع أن يتكلّم، أي أن ينقل إلينا بالعربيّة ما سيجيب به الطلّاب بالتركيّة.
وقد خطر لي بعد ذلك أن أستخلص ما بقي من العربيّة في ذاكرة هؤلاء الطلّاب: “مين منكن بيفهم عربي؟” سألت، فارتفعت أيد كثيرة على الفور. قال لي أحد الأساتذة فيما بعد، إنّ هؤلاء هم ثلث مَن في القاعة التي، بحسبه أيضا، اتسعت لثلاثمئة منهم.
ما نطق به المتبرّعون أو الملحّون من الطلاّب لم يتعدّ من الكلام ما يمكن تشبيهه بما يبقى في قعر الكأس. جميعهم يبدأون الكلام بحماسة لا تلبث أن تخبو عند الكلمة الرابعة أو الخامسة. ألتلميذ المرح الجالس في أحد الصفوف الأماميّة قال إنّه يعرف الأغنيات العربيّة. “من مثلا؟”.. “نانسي عجرم” أجاب، مجدّدا على ما كنت سمعته من خمسينيين وستّينيّين من أنّهم يحبون محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وصباح، راجعين بهؤلاء إلى زمنهم الذي كانوا فيه على قمّة مجدهم الغنائي حيث، بحسب ما ظننت، لم يعودوا إلى سماع أغنياتهم من عقود.
وإذ أردت أن أحيي ذلك اللقاء وأنشّطه سألتهم إن كان من بينهم مَن يحبّ أن يغنّي أغنية عربيّة. بين الأيدي التي ارتفعت واحدة لفتاة جالسة في صفّ قريب من حيث يجلس المعلّمون. كانت خجولة ممّا جعلني أتساءل من أين واتتها الشجاعة لترفع يدها. لكنّها، بعد أن وصلتْ إلى المنبر الذي جلسنا إليه نحن القادمين من خارج تركيا، بدأت الغناء مستبقة استعداد الجميع للسماع. وإذ طُلب منها أن تبدأ من جديد، مزوّدة بالميكروفون هذه المرّة، شرعت بالغناء واسترسلت فيه. أغنية كاملة لنانسي عجرم، بل وبالصوت العذب الذي جعلنا، في نهاية الغناء، نصفّق استحسانا وليس مجاملة.
لم نسأل فتاة الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة إن كانت تفهم كلمات الأغنية. وقد قدّرت، أنا الوحيد الناطق بلغة الضاد بينهم، أنّ طلاوة اللهجة التي في الأغنية لم تتسرّب إلى نطق الفتاة بالكلام العادي، ذاك الذي كانت تجيب به عن سؤالاتنا. بل أنّ ما قالته بعربيتها القليلة كان مشبعا بالثقل الذي نجده عند من لم تهذّب لهجاتِهم إقامتُهم في المدن. كانت لهجة فلّاحة عجوز، باقية من زمن كان الناس فيه أقلّ خفّة وتدلّعاً. وقد ذكّرتني لهجة الفتاة تلك بلهجات أبناء المهاجرين، أو أحفادهم على الأصحّ، تلك التي كنا نجدها غريبة لكونها لغة معمّرين تنطق بها شابّات لم يتأخّرن في لباسهنّ وظهورهنّ عن مواكبة أساليب عصرنا ومُوَضِه.
مظفّر، الرجل التركي الذي كان ملازمنا في الرحلة ومرجعنا في كلّ ما كنّا نرغب في معرفته، قال لنا إنّهن، الآن، يتبعن التركيّة عن قصد، إذ لا تواكب ميلهنّ إلى الإغواء والملاعبة وحبّ التأنّق إلّا التركيّة، وذلك إن حالت الظروف بين بعضهن، أو بين كثرتهنّ، واللغة الإنكليزيّة. أي أنّهن، في ما خصّ التركيّة، يستطعن أن يواكبن آخر اللهجات، هذه التي لا تتوقّف عن اختراع تعابير ومصطلحات جديدة لإغوائهنّ.
وقد قالت الفتاة المغنّية أنها أخذت ما تعرفه من العربيّة عن جدّتها، ذاك أنّ أهلها انشغلوا بتعلّمهم التركيّة وبتعليمها لها في الوقت ذاته. ليس هناك من يتكلّم العربيّة إلّا جدّتها، أو الجدّات عموما، بحسب ما قال لنا كثيرون من طلّاب المدرسة. أما الزاد الثقافي الذي أمدّتهم الجدّات به فجلّه، أو كلّه ربما، منقول من تلك الكتب التي كانت تباع في محلّات العطّارين أيّام ذلك الزمن القديم. من بين الكتب التي كانت تروي الجدّات بعض فصولها، بحسب ما أجاب الكثيرون، حكاية الملك سيف بن ذي يزن وتغريبة بني هلال وسيرة عنترة وسيرة الملك الظاهر بيبرس، (وكان عليّ أن أعود لأسمّي لهم الكتب هذه بحسب عناوينها الصحيحة، إذ كان الطلّاب يكتفون بالدلالة على الكتاب بجزء من عنوانه أو بذكر إسم بطل من أبطاله).
هي ثقافة الجدّات أيّام كانت هذه الكتب تميّز القارئين عن الأميّين. ولا أعلم إن كانت هذه الكتب ما تزال موجودة في التداول، تلك النسخ القديمة منها، أقصد. أما الطبعات الجديدة فلا أظنّها متوافرة، لا هي ولا الكتب الأخرى ألتي تسبقها أو تتلوها زمنا. في المكتبات التي زرناها هناك لم نجد رفّا واحدا مخصّصا للكتب العربيّة.؟ حتى في تلك المكتبة التي أقيمت لنا فيها أمسية وقرأتُ أنا لروّادها نصوصا بلغتي العربيّة، لم أجد إلا بضعة كتب كان أودعها هناك مؤلّف لم يجد لها تصريفا. ولا بدّ أنّ الزمن قد طال على خلوّ أنطاكيا من الكتب، أو من الكتابة، بالعربيّة. أقصد الكتابة بالخطّ العربي أو بالحروف العربيّة، تلك التي، في الأيام الثلاثة أو الأربعة التي قضيتها هناك، لم أعثر منها إلا على ما هو منقوش على الألواح الرخاميّة الموضوعة عند مداخل الجوامع. كما أنّني رأيت كتابة أخرى من كلمتين هما “ألملك الأشرف” منقوشتين على حجر ضمّه متحف أنطاكية إلى موجوداته. وما يلفت زائراً مثلي، بل ما يدهش، رؤية كلمة البسملة “بسم الله الرحمن الرحيم” مكتوبة، هناك في البازار الذي يوحي داخله باستعصائه على التغيّر، بالحروف اللاتينية.
لذلك لا يعرفون من لغة أهلهم إلا ما يقال بالكلام العامي. “الأخبار لا نفهمها” قالوا، ومن البديهي أن يضيفوا أنّهم لا يتابعون ما تنقله.”أنا لي أقارب في لبنان” قالت المرأة التي كانت قد أفاضت في ذكر أقارب لها في سوريا. “هل تلتقيهم، هل تزورون بعضكم البعض؟”
– الآن صار هذا هيّناً بعدما فتحت الحدود ولم نعد نحتاج إلى الفيزا… لكن نحن صرنا لا نعرفهم، وهم أيضاً لا يعرفوننا.
“المستقبل”




















