إذا نحن استبعدنا جميع التفسيرات والتبريرات الأخلاقية سواء تلك التي ردت ما حدث في شأن جائزة الشيخ زايد وسحبها الى «أخلاقيات الكتابة والتأليف»، أو تلك التي أرجعتها الى «أخلاقيات القراءة والتحكيم»، فربما كان باستطاعتنا أن نتمكن من استثمار ما حدث، ليس للكشف عن قيمة الجوائز والرموز في مجتمعاتنا فحسب، بل لمحاولة الإجابة عن السؤال عمن يصنع الرموز ويبدع القيم ويخلق النجوم في المجتمع الحديث؟ ذلك أن ما حدث في الجائزة، في نظرنا، لم يكشف، كما قيل، عن تهاون المحكّمين و«انتهازية» المؤلفين، وانما أوضح الى حد ما الكيفية التي أصبح الاعتراف يُنتزع بها في مجتمعات الفرجة.
معنى ذلك، أولاً وقبل كل شيء، أنه حتى لو لم يكن المؤلف هو المؤلف نفسه في هذه الحالة، ولم تكن لجنة التحكيم هي اللجنة نفسها، فربما لن تعطى الجائزة لمن يستحقها «عن جدارة واستحقاق» كما يقال، وانما لمن تضافرت آليات متعددة في صنع القيمة التي أعطيت له ولعمله وللعنوان الذي اختاره لكتابه وللمجال الذي ألف فيه. ليس معنى ذلك أن «الجدارة والاستحقاق» لم يعد لهما وجود، وانما كونهما أصبحا تحت ضغط آليات تتجاوز النيات والمقاصد والأخلاقيات. نلحظ هذا جلياً في ما يدعى «الكاستينغات» التي يتم فيها انتقاء المغنين والممثلين أو صنعهم على الأصح. فهذه الآليات هي التي تعمل متضافرة على أن ترسخ في عيوننا وعقولنا، على جدراننا وصورنا، في كتبنا وصحفنا، وأخبارنا وشائعاتنا، أن ذلك الموضوع هو الموضوع الأهم، وذلك الاسم هو الاسم الأكثر ذيوعاً، وذلك المؤلف هوالمؤلف الأكثر جدارة.
ليس من السهل بطبيعة الحال ضبط هذه الآليات التي تتضافر لصنع القيم وخلق النجوم اليوم، وهي تُدمج في عبارة شديدة الغموض حتى عند من ابتدعها. وأعني عبارة «مجتمع الفرجة». يكفي أن نقول إن تلك الآليات هي التي عملت اليوم على جعل «ما يظهر يغدو جيداً، وما هو جيد يغدو مظهراً». فالفرجة هي «نفي مرئي للحياة، نفي للحياة أصبح مرئياً».
لا شك في أن ما هو أساسي في هاتين العبارتين لصاحب كتاب «مجتمع الفرجة» هو ربطه الجودة والقيمة بالرؤية والمظهر. على هذا النحو يسهل علينا أن نفهم كيف يدخل الإعلام، وجميع الوسائط السمعية البصرية في صنع الأسماء وخلق النجوم وإضفاء القيمة وخلق الاهتمام وإعطاء الأولويات والأسبقيات والمراتب والجوائز.
* كاتب مغربي
“الحياة”






