ثمة حمولات مكثفة تنطوي عليها تطورات المشهد الفرنسي، وبخاصة بعد انضمام طلاب الثانويات والجامعات لحركة الاحتجاج النقابية والعمالية ضد قانون التقاعد. ويمكن معاينة ذلك بالإصرار على التمسك بروحية القيم الليبرالية والتأكيد على ضرورة استمرار صيرورة الدينامية الليبرالية حتى لا تتحول إلى قفص مغلق من القيم يُصار إلى اختطافها إن من قبل (الأثرياء) الذين روج الرئيس ساركوزي لحكمهم لعبور الأزمة المالية العالمية، أو من قبل العنصريين الذين يتسكعون على تخوم أزمات الرأسمالية والضمير الأوروبي.
وإذا كان من البديهيات الاقتصادية أن الرأسمالية قادرة على تجديد نفسها وتجاوز أخطائها من خلال دينامية السوق وآلياته وقوانينه، فإن الليبرالية (وبخاصة في طبعتها الفرنسية) تعمل بين كل فترة وأخرى على إعادة تصيحح مسارها، وتزخيم نسقها القيمي، وتجديد عناصرها وتأكيد فاعليتها، من خلال حراك تقوده النخب الشابة محملة بأفكار وقيم جديدة استولدها الواقع الاجتماعي الفرنسي (المعروف بحيويته)، بحيث يُصار إلى استبطان كافة تلاوين عناصر هذا الواقع وتكييفها مع تراث القيم الليبرالية، ومن ثم إضافة القيم والعناصر الجديدة إلى الفضاء الليبرالي الأوسع، إنطلاقاً من التفاؤل الليبرالي بقدرة الإجماع البشري على تحقيق أسباب التقدم عن طريق الحوار وتصحيح الأخطاء بالتجارب المتعاقبة.
هذا ما حدث في أيار 1968 عندما انضافت إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي عناصر المهمشين اقتصادياً والمثليين والمرأة، والأفكار الأخرى التي احتاج دمجها إلى منظومة القيم الليبرالية لمخاض عسير كان نتيجته إحداث تغيير سياسي هام والإعلان عن نهاية مرحلة الدفاع عن فرنسا من الأعداء الخارجيين وإنهاء زمن الإمبراطورية السياسي والانتقال إلى حالة البناء الداخلي.
لقد شهد المجتمع الفرنسي، في السنوات الأخيرة، نكسات قيمية خطيرة على أغلب المستويات، إن في مجال التعليم وتراجع دور المعلمين، أو على صعيد تساقط النخب المالية جراء الأزمة المالية التي انكشفت بفضيحة مصرف سوسيتيه جنرال، أو من خلال سياسات ساركوزي المنحازة إلى أقصى اليمين وضد غالبية فئات المجتمع الفرنسي، ناهيك عن اتباع ساركوزي لسياسات اليمين المتطرف سواء في إعادة نسج مفهوم الوطنية والربط بين الإخلال بالأمن والهجرة إلى فرنسا وفي الضواحي، وكذلك سياسة ملاحقة الغجر التي شعر الفرنسيون، وبخاصة في الأوساط الكاثوليكية واليسارية، بالعار تجاهها.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، إلى أي مدى تشكل ردة الفعل تجاه نسق المواقف المذكورة (النزوعات العنصرية، والتساقط القيمي) مكوناً في الحراك الفرنسي الحالي؟، أو العكس، إلى أي مدى تؤثر ردات الفعل تلك في إنضاج هذا الحراك؟.
على كل حال، يمكن قراءة المشهد الفرنسي بصورة أكثر واقعية، باعتباره صراعاً بين السياسي والاجتماعي في المكون الغربي، صراع عنوانه تجديد العقود الاجتماعية الحاكمة للعلاقة بين الطرفين، في الوقت الذي تحاول السلطة تجاوز مجالها وحدودها على حساب الفضاء الاجتماعي. أما ردة الفعل تجاه ذلك فتكاد تتطابق بشكل مذهل مع أفكار بنجامين كونستان (أحد رموز الفكر الليبرالي الفرنسي في القرن التاسع عشر) حيث يقول إن “المواطنين يملكون حقوقاً شخصية مستقلة عن كل سلطة اجتماعية أو سياسية، وأي سلطة تخرق هذه القوانين تغدو غير شرعية”، وبحسب كونستان فإن حقوق المواطنين تتمثل في “الحرية الفردية، والحرية الدينية، وحرية الرأي، حيث تضمن الدعاية لها، التمتع بالملكية، والضمانات ضد أي تعسف، وليس هناك من سلطة تستطيع أن تنتهك هذه الحقوق من دون تمزيق لقبها الخاص”.
الليبرالية في فرنسا تجدد نفسها، ترفض أن تشيخ أو تهرم، كما ترفض أن تتكلس أو يتم تحديدها في أطر وحدود معينة حتى لو اتسعت فضاءاتها إلى حدود الرفاهية المطلقة والتقدم العلمي والعملي، لأن روحها مبنية على قيم التسامح والحرية والاعتراف بالآخر، وهي لديها من الخبرة التاريخية ما يجعلها تتجاوز كل المعضلات التي تتراكم في مسارها.
“المستقبل”




















